عبد الحميد أحمد

العفة عندهم وعندنا

عند الفرنسي أن العفة زنبقة الفضائل، إذا ذبلت أو شوهت، لم تبق فضيلة، وعنده أن الجريمة تستدعي الخجل لا المقصلة، غير أنه اليوم، سواء في فرنسا أو غيرها، لا يوجد ما يخجل الناس، فيرتكبون الحماقات والجرائم دون أن تطرف لهم عين.

أما بییر بیریجفوا، رئيس وزراء فرنسا السابق، فهو إن كان من أصل أوكراني، إلا أنه مثال الفرنسي، لأنه لم يتحمل تهمة أنه اقترض من صديق ثري مبلغاً من المال بلا فائدة، فيما وجد في ذلك، بعد انكشافه للناس، عاراً لا يخلصه سوى الموت، وخجلاً يستحق رصاصة في الرأس.

ولا بد أن العشرات من المسؤولين والسياسيين، كبارهم وصغارهم، سواء في العالم العربي، أو العالم الثالث وحتى العالم الأول من قامت حياتهم السياسية والعامة وتصدروا المواقع بموهبة فريدة وحيدة، هي غياب العفة، خاصة عفة اليد، وجد في هذا الفرنسي المنتحر بهلولاً وأهبل، فمن ذا الذي يقتل نفسه هذه الأيام بسبب تهمة كتلك؟

لذلك، ذكرنا موت هذا بهؤلاء، ممن لم يفكر بعضهم حتى في الاستقالة، رغم أن دخان فضائحهم ملأ السماوات، وأوراق الصحف وألسنة الناس، وصار منهم من كثرة قبضه وبلعه وطول يده ووسع ذمته، نكتة في مجتمعاتهم، ومع ذلك تنام ضمائرهم في ثلاجة، آخر راحة واسترخاء.

مع هذا، لا يمكن وضع هؤلاء كلهم في سلة واحدة، فهم في الغرب يجدون على الأقل من يفضحهم، ثم يحاسبهم، ثم يقصيهم ويعاقبهم، كما هو الحال في اليابان وإيطاليا على سبيل المثال، ولا تجد حكومات تلك البلدان عيباً في أن عضواً منها فاسد، على خلاف ما نجده ونراه ونسمع عنه في عالمنا الثالث، ومنه بعض بلداننا العربية، حيث تنبري الحكومات لتدافع عن هؤلاء وتبرئ ساحاتهم وتبقيهم في مناصبهم، رغم أنف الناس، مع أن أي حكومة نزيهة وعاقلة وعندها ثقة في نفسها، لن يضرها مطلقاً أن تتخلى عن مثل هؤلاء المرتشين والفاسدين ومستغلي الوظائف العامة والمثرين من ورائها، فالعيب هو التستر عليهم والدفاع عنهم، واستمرارهم في وظائفهم.

وهكذا أصبح من المألوف ألا يوقع الموظف الصغير معاملة ما من دون إكرامية، أو لا يسمح سكرتير برؤية سعادة البيه المدير من دون مظروف ينزلق بخفة من تحت الطاولة، أو نجد سائقاً وفراشاً أغنى من أي موظف آخر، فما دام المسؤول بالدف ضارباً، فكيف يكون سلوك موظفيه غير الرقص؟

ونتساءل مع ذلك، كيف يمكن أن تتقدم بلداننا، ما دام فيها مثل هؤلاء الذين يرون في الوظيفة العامة جحشاً يوصلهم إلى مصالحهم وأغراضهم، لا إلى خدمة الناس والمواطنين ومع ذلك لا يستقيلون ولا ينتحرون ولا يجدون من يحاسبهم؟

إلا أننا مع ذلك، لا نطالب هؤلاء بالانتحار أو ندعوهم إليه، وإن كان سيخلص البلدان المنكوبة بهم من أياديهم النظيفة، وخبراتهم الطويلة في الشفط واللهط والبلع من دون طحن أو ضرس، وسيجدون أيضاً من بين الناس من يتبرع لهم بالرصاص مجاناً، ولو حصل ذلك فستكون عندنا أزمة خطيرة وشح في الموظفين خاصة الكبار منهم، ولا نحلم حتى في أن يجرؤ أحدهم في قطع أذنه أو إصبعه، أو على الأقل بأن يفعلها أحدهم مرة في حياتنا ويستقيل، فنعتبره ، بطلاً قومياً يستحق إقامة تمثال له، فذلك آخر ما يمكن أن نراه في عمرنا وعمر أحفادنا، على ما نرى ونسمع، ويكفي أن نطالبهم بأن يختشوا، لولا أن الذين يختشون هذه الأيام لا وجود لهم، وإلا ماتوا من زمان، كما يقول المثل، فكيف لا تكون مثل هذه البلدان متخلفة ولا تكاد تطلع من حفرة حتى تسقط في بالوعة، كرّم الله السامعين والقراء. 

العفة عندهم وعندنا

4/5/1993

()