عبد الحميد أحمد

نضال المفاوضات

نسمع الآن، أن سيارة مفاوضات السلام بدأت تتحرك، على حسب ما يقول أعضاء ومسؤولون في الوفود العربية، ولابد أن أحدهم، على الأغلب الطرف الأمريكي، تبرع بجالوني بنزین سوبر لهذه السيارة، التي طال وقوفها حتى خلنا ضربها الصدأ، وبركت في مكانها لا تريم.

وكنا عرباً نندب ونصيح من جمود المفاوضات التي نريدها أن تهتز من مكانها، وأن تتحرك قليلاً، لكي يكون لوجودنا في واشنطن، معنى أمام عيالنا وأهلنا، غير أننا يجب أن نحذر حركة السلام، لا وقوفه فحسب، خاصة إذا أسرعت سيارتها بفعل البنزين الأمريكي السوبر، أو الدفش لا فرق، بمعدلات تفوق قدرتنا، فنكون بعد حين تحت عجلاتها مدهوسين مفعوصين.. والعياذ بالله.

غير أننا لم نستبق الأحداث، فقد تعودنا على الانتظار سنين، (عملاً بمبدأ في التأني السلامة وفي العجلة الندامة)، وعلى الفرجة أعواماً، ولا بأس أن ننتظر أعواماً أخرى، لنرى إذا ما كانت نهاية الطريق تصلنا بحقوقنا، أو تصلنا بضياع آخر، نكون فيه هذه المرة جثثاً في المشرحة، بانتظار الدفن.

لذلك، مددت الوفود في واشنطن الجولة التاسعة أسبوعاً، وعلى خلاف ما نسمع من تصريحات، فإن الوفود مستعدة للتمديد شهوراً وأعواماً بحالها، خاصة أن حرب السلام هي الممكنة حالياً، بعد أن صار رفضنا للسلام ولاءاتنا المشهورة وتلويحنا بالحروب، ضرباً من الإرهاب يديننا عليه المجتمع الدولي، ونحن لم نعد في موقع نستطيع فيه تحمل غضب هذا المجتمع علينا، زيادة على ما نحن فيه، فحفظنا كل ذلك في المتحف الحربي.

ثم إن إسرائيل بدأت تقدم لنا لفتات وحركات وابتسامات، أشبه بالرشوة، ومع أن هذه الأخيرة ليست من عاداتنا وتقاليدنا، إلا أن اللفتات لا يمكن تجاهلها، والحركات لا يمكن غض النظر عنها خاصة وأن من طبيعتنا أن نسقط من طولنا وعرضنا أيضاً، عند أي مغازلة عابرة أو حركة حتى لو كانت غير مثيرة، حتى قلنا، نظرة فابتسامة فسلام، فموعد ولقاء، إلى آخر الإلياذة العربية الشهيرة، ما يجعلنا نتمسك بتلابيب أي عرض، ونذوب في دباديب أي غرام، ولو أوصلنا هذا إلى أبواب العصفورية أو قضبان الحديد، أليس منا مجنون ليلى العامرية؟

من هذا الغزل عودة خمسة عشر مبعداً قديماً، ثم عودة مثلهم لاحقاً هذا الأسبوع، فهذا يكفينا ويسرنا، فيما المبعدون الطازجون الأربعمائة يشربون من البحر، والأغلب أنهم سيتحولون بعد حين إلى مبعدين قدامى، بانتظار عودتهم بعد السلام، والموعد واللقاء إن شاء الله رب العالمين.

على أن ذلك لا يعني أننا ندين المفاوضين العرب، فهؤلاء للحق مناضلون، لأن الواحد منهم تخلى عن طواعية وحب عن صحن المجدرة والفول والمنسف والتبولة والكباب الحلبي والقهوة التركية، خاصة إذا كانت مصنوعة بيد ما نعدمها حسب ما نقول، وصار مكرهاً يتناول بدلاً عنها البافلوستيك والبفتيك وربما الهامبرجر والبطاطا المقلية وغيرها من أكل أبناء العم سام، علاوة بالطبع على تحملهم سكن الفنادق ورحلات الطائرات الذاهبة والقادمة من واشنطن، وما في كل ذلك من صداع وغثيان ولوعة كبد، ولا ننسى بالطبع مشاهدتهم كل صباح ومساء وجوه الإسرائيليين المفاوضين وطواقيهم الميكرو ملتصقة فوق الرؤوس، التي تكفي وحدها لإثارة أعصاب النمل، لا المفاوض مهما كان هادئاً، هذا إلى جانب تصريحات رابين التي تلعب بالأعصاب، فتجعلها حبة فوق وعشرة حبات تحت.

لذلك ندعو للمفاوضين المناضلين بسلامة الأعصاب، وسلامة العودة ظافرين غانمين، وإن كنا نعتقد أنه في نهاية المطاف، سيحظى رابين عليهم جميعاً بجائزة نوبل للسلام، فيما هم سيعودون، يد من قدام وأخرى من خلف، متحسرين على الأيام التي ضاعت منهم وفوتت عليهم وجبات المجدرة والمنسف والكباب الحلبي الشهير، خاصة إذا كانت مختومة بأم علي وزنود الست.    7/5/1993

نضال المفاوضات
عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام

مع الناس 4