عبد الحميد أحمد

بشر من عصر الكهرباء

زار أحد سكان المدن قريباً له في إحدى القرى النائية، فرآه يطلق لحيته بطول قدمين، فسأله: لماذا ترسل لحيتك إلى هذا الحد؟ فرد عليه قريبه: من اليوم الذي أرسلت لي فيه آلة الحلاقة الكهربائية رميت بموسى الحلاقة جانباً، فقال له صاحبنا مندهشاً: لماذا لا تستخدم الآلة إذن؟ فرد القروي: لقد خبأتها إلى اليوم الذي تصل فيه الكهرباء إلى منطقتنا.

ولابد أن هذا ينتظر حتى الآن، ما نتصور معه أن لحيته الآن وصلت إلى قدميه، وصار يلفها على جسده بدلاً من العباءة، أو يمسح بها الغبار ویکنس بها الدار، وما زلنا نتذكر، كلما جاء حديث عن الكهرباء، غوار الطوشه، الذي كاد يموت ضحكاً في مشهد من إحدى مسرحياته وهو يقول للمحقق الذي يسأله عن سبب ضحكه إنه يضحك لأن الكهرباء وصلت إلى مؤخرته قبل وصولها إلى الضيعة.

غير أنني بعد تفكير وتدبير، وتقليب الأمر وجه وقفا، وجدت أن ثمة فلسفة (ووراء كل المشاريع العربية فلسفة كما تلاحظون)، من نقص الكهرباء في بعض المناطق، خاصة النائية، على عكس ما يفهم الناس من سكان هذه المناطق، الذين يشتكون ويتحرطمون كلما انقطعت الكهرباء عنهم، خاصة في أشهر الصيف، على نحو ما يفعل سكان رأس الخيمة عندنا، كان الله في عونهم.

فأولاً، يحظى هؤلاء بحمامات سونا مجانية، فينزفون العرق الكثير، ما يجعلهم رشيقي القوام، وذوي أجسام رياضية يصلحون للاشتراك في المسابقات الأولمبية لولا أننا لم نستفد بعد من مواهبهم هذه، فنقص الكهرباء وانقطاعها إجراءات غير معلنة للتخسيس بالمجان.

وثانياً، تحافظ الحكومات على شاعرية القرى وهدوئها، فيسرب الزوج إلى بيته مبكراً مع أول الليل، ويشعل القناديل أو الشموع، فتجد منه زوجته غزلاً رومانسياً ومداعبات، من النادر أن تحصل عليها زوجة أي رجل آخر من سكان المدن، ومعنى ذلك تدعيم أركان الأسرة وتقوية الحب بين الزوجين، وبالتالي، كثرة النسل الذي نحن بحاجة استراتيجية ماسة له، في معاركنا القومية ضد أعداء الأمة والمتربصين بها.

وثالثاً، تتخلص العائلة من التلفزيون وما يسببه من كآبة بأخباره المصورة، ومن المسلسلات التي تستهبل البشر وتضحك على ذقونهم فتصيبهم بالنرفزة وإثارة الأعصاب، ما يجعلهم ينامون مع الدجاج، ويصحون مع الديكة، تحقيقاً لشعار التنمية الأول نام بکیر واصحى بكير شوف الصحة اشلون اتصير، وعلى هذا تنفذ الحكومات أفضل رعاية صحية ممكنة لسكان هذه القرى، حتى أن الإنتاج الزراعي العربي، صار بفضل هؤلاء فائضاً عن حاجة أسواقنا، فنرميه في الترعة حفاظاً على مستوى الأسعار.

ورابعاً، نحمي من وراء هذه الفلسفة سكان القرى من آفات المدن، وعلى رأسها الاتكالية والاعتماد على الغير في شؤون الحياة، ما يجعل أي شغالة فلبينية أو سیلانية تهرب بجلدها من الطبخ على الحطب وتفريم البصل باليد وكنس البيت بالمكنسة التقليدية، وغسل الثياب في الطشت، نظراً لعدم توفر الثلاجة والديب فریزر والغسالة الأوتوماتيكية والفرن الكهربائي والمولينکس وغير ذلك.

ويمكن أن نضيف من أركان هذه الفلسفة الكثير، من ذلك أنها تحافظ على صفاء ذهن القرويين وأعصابهم، حيث تربطه بالطبيعة، فيسهرون مع القمر والنجوم مما لم يعد يراه سكان المدن كثيراً، على أمل أن يطلع، من أبناء القرى، علماء في الفلك ورواد فضاء يساهمون في النهضة العلمية، إلا أننا نترك البقية لعقل القارئ وخياله، ليضيف ما يشاء إلى هذه الفلسفة الكهربائية.

ويبقى أن نعرف أن انقطاع الكهرباء أو نقصها في كثير من المناطق لن يضر بالسكان كما يتوهمون، فلا المصانع ستتعطل عن العمل، ولا القطارات والطائرات وبقية حركة النقل ستتوقف، ولا شبكات الكمبيوتر والمعلومات ستختل، كما هو الحال في الدول الغربية، ما يجعل شكواهم في ضوء الفلسفة العربية إياها، لا محل لها. اللهم باستثناء حاجتهم إلى حلق لحاهم، بماكينات الحلاقة، فيظهرون بمظهر حضاري، على اعتبار أنهم بشر من عصر الكهرباء المنير.

  16/5/1993

بشر من عصر الكهرباء

()