عبد الحميد أحمد

شيل الله يبارك لك

قبل خمسين سنة كان عندنا قضية واحدة تشغلنا، وتدور حولها كل الجهود والحروب والمؤتمرات والتصريحات والندوات والخطب، واليوم أصبح عندنا 50 قضية أخرى.

فمن قضية فلسطين، إلى قضايا التأميم والاستعمار، إلى هزيمة 67، إلى حروب الاستنزاف، إلى غزو لبنان، إلى قضية جنوب السودان إلى حرب الخليج، إلى غزو الكويت، إضافة بالطبع للقضايا الأخرى التي لا يمر عام دون أن تفرخ ساحتنا السياسية واحدة منها، ما يعني أن معدل الإخصاب عندنا من القضايا، ما شاء الله، وشیل یا مواطن یا عربي الله يبارك لك، حتى أنه من كثرة الشيل وثقله انحنى ظهره وصار بحاجة إلى عكاكيز تتطوع بها الحكومات عليه صدقة وشفقة.

وما بين القضايا المصيرية (هكذا نسمي كل قضية لحين) لابد من قضايا أخرى (بضم الألف رجاء)، سرعان ما تندلع وننشغل بها من غيرها، مثل قضايا الخصخصة (موضة التسعينيات)، وبعضهم يسميها الخسخسة وقضايا الإرهاب والتطرف الحالية، وقضية الأمن الإقليمي والقومي، وقضية السلام، وقضية الأكراد وغيرها حتى صار عالمنا العربي ينافس دور الأزياء العالمية في تفصيل الموديلات وتصميم الأزمات، لكي يرتديها المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً.

لذلك أتصور، لو أن هذا المواطن انتقل للعيش في بلد آخر، ليست فيه مثل هذه الأزمات والقضايا، بما في ذلك أزمة السكن وأزمة المواصلات وأزمة الأسعار وأزمة الغاز والكهرباء والتليفون وأزمة الخبز الأبيض وشقيقه الأسود، التي سببها طبعاً القضايا المصيرية إياها، (كما تقول الإذاعات والصحف الرسمية)، لأصابه الملل وعاد مسرعاً من حيث ذهب، فكيف يعيش هذا من غير أزمات بعد أن اعتاد عليها وأصبحت جزءاً من حياته وأدمنها، مثل الشاي والقهوة والسيجارة والمعسل؟

وبما أن الحبل على الجرار، فإن في الخمسين سنة المقبلة، سيكون عندنا خمسون قضية أخرى، نضيفها على القديمة، حيث لم ننجح بعد في حل واحدة من هذه القضايا والقضاء عليها، ولو عقدنا لها مؤتمرات قمم وقواعد، أو ندوات أو مناقشات، ولو صرفنا عليها كل مداخيلنا على حساب خطط التنمية والإعمار، ولولا معرفتنا بالطاقات الجبارة للمواطن العربي، والمهارات والحصانات التي اكتسبها، لتوقعنا له مستقبلاً أن يهرب بجلده إلى بلاد الماو ماو، فهي أرحم له وأسلم.

وهكذا، فإننا نسينا بسرعة قضية المبعدين ولم يعودوا من المقربين، ولابد أن نضيف عليها قضية أخرى تشغلنا عنها، وهكذا نسينا أيضاً أزمة لوكيربي، فهما لن يكونا أهم من غيرهما من القضايا التي تركناها خلف ظهورنا لمواجهة قضايا أخطر، تجعلنا مشغولين بعظائم الأمور.

وأمس اقترح علينا قارئ، تعليقاً على ما كتبناه عن إمكانية تحولنا للكتابة في شؤون الطبخ، بدلاً من مهاجمة إسرائيل وشتمها، التحول إلى الكتابة عن القطط والكلاب والأبقار والفئران المدللة في البلدان الغربية، على اعتبار أنها أرقى ومتقدمة على قططنا وحيواناتنا، فيما نراه اقتراحاً وجيهاً يجعلنا على الأقل كصحفيين مستمرين في أكل عيشنا، بعد إحلال السلام مع إسرائيل.

ونزيد عليه، إن قضايانا كلها ربما تجد لها حلاً نهائياً بعد السلام على أيدي اليهود، فنخلص منها كلها، فلا نحن نعرف كيفية حلها وتجاوزها، ولا العالم يسمع لنا ويستجيب ويساعدنا عليها.

لذلك، قرأنا أن القذافي اجتمع ثلاث مرات في أقل من شهر مع زعماء اليهود الليبيين المهاجرين، لكي يتوسطوا لدى كندا وأمريكا وبريطانيا وغيرها، لمساعدته على حل أزمته مع الغرب، نظير أن ينظم في ليبيا مؤتمراً للأديان في يوليو المقبل، يحضره لأول مرة ممثلون إسرائيليون، ذلك بعد أن تعب العرب وجامعتهم عن حل مشكلته.

ولو حدث هذا، ونجح اليهود من حيث أخفقنا، فعلى المواطنين العرب الاستبشار خيراً بالسلام، ما دامت قضاياهم القديمة والجديدة المقبلة أيضاً ستجد حلولاً أولاً بأول وبلا تأخير، غير أن السؤال يبقى: كيف يعيش هذا المواطن بلا أزمات وقضايا ومؤتمرات وخطب وتصريحات نارية وبيانات رسمية من التي فتح عينيه عليها ورضعها مع حليب أمه؟

 19/5/1993

عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام

شيل الله يبارك لك

()