عبد الحميد أحمد

اذبح حنجرة الهوى بسكين العزيمة

يقف المسلمون اليوم بعرفات متجردين من كل شيء إلا من إيمانهم، ونقف نحن بالمناسبة مع بعض «لطائف» أبي الفرج ابن الجوزي.

يقول عن الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع: سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجاعة، تجتمع جنود الكسل فتتشبث بذيل التواني، فتزين حب النوم، وتزخرف طيب الفراش وتخوف برد الماء، فإذا ثارت شعلة من نار الحزم، أضاءت بها طريق القصد، فسمعت أذن اليقين هاتف: هل من سائل؟

فقمت افرش خدي في الطريق له

ذلا واسحب اجفاني على الاثر

نفس المحب في الليل على آخر نفس، وفي المتعبدين قوة، وهم يستغفرون، صراخ الأطفال غير بكاء الرجال، سهر الليل هودج الأحباب، يوقظ نسیم الأسحار أعين ذوق الأخطار، فلو رأيتهم: وقد لاحت الجوزاء وانحدر النسر قد افترشوا بساط قيس وباتوا بليل النابغة، إن ناموا توسدوا أذرع الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق، كان النوم حلف على جفاء أجفانهم.

وفي التوبة: يا مؤخر توبته بطل التسويف، كنت تقول: إذا شبت تبت. لو كان السيف عن عزيمتك جوهرية لقيك موت الهوى تحت ظبته. كل يوم تضع قاعدة الإنابة ولكن على شفا جرف، كلما صدقت لك في التوبة رغبة، حملت عليها جنود الهوى حملة فانهزمت، اذبح حنجرة الهوى بسكين العزيمة، فما دام الهوى حياً فلا تأمن من قلب قلبك.

في مجاهدة النفس: النفس مثل كلب السوء، متى شبع نام، وإن جاع بصبص. ويحك، الأعضاء كالسواقي، والمياه النجسة تؤثر في الثمرة.

ويحك، أن الموت سحاب، والشيب وبله، ومن بلغ السبعين اشتكى من غير علة، والعاقل من أصبح على وجل من قرب الأجل.

خوف السابقة وحذر الخاتمة قلقل قلوب العارفين، وزادهم إزعاجاً، ليس لهم في الدنيا راحة، كلما دخلوا سكة من سكك السكون، أخرجهم الجزع إلى شارع من شوارع الخوف.

في مداواة النفس: العقل رفيق اللب، والطبع قرين النفس، فلا تقارب بين النفس والقلب، فرب جار جار، سرادق القلب على أطناب العقل، وخيمة النفس على أوتار الهوى، اكسر حدة خمر الطبع بمزاج ماء الرياضة، ماء طبعك أجاج، وماء شرعك عذب.

في عزيمة الرجال: اغسل وجه الجد من غبار الكسل، وانفق كيس الصبر في طريق الفضائل، إن كانت لك عزيمة فليس في لغة أولي العزم ربما وعسى.

في دموع المذنبين: سبحان من يرسل رياح المواعظ فتثير من قلوب المتيقظين غيم الغم على ما سلف، فتسوقه إلى بلد الطبع المجدب برعد الوعيد، وبريق الخشية، فترقا دموع الأحزان من قعر بحر القلب إلى أوج الرأس، فتسيل ميازيب الشؤون على تطوع الوجنات، فإذا أعشب السر تهتز فرحاً بالإجابة.

في الشهوات: الدنيا سوق فيها ضجيج الشهوات، ما أصعب السباحة في غدیر التمساح، ما أشق السفر في الأرض المسبعة، أي مقيد الوجود في فناء الفناء: قامت قيامة الملامة وما تسمع، لقد نصحك صوت النصح، ولكن صلج الأذان مانع.

في طلب العلم: العلم والعمل توأمان، أمهما علو الهمة. أيها الشاب: جوهر نفسك بدراسة العلم وحلها بحلة العمل، فإن قبلت نصحي لم تصلح: إلا لصدر سرير أو لذروة منبر..

وأخيراً هذا القبس: وقت العارف جد كله، لعلمه بشرف الزمان، والنهار مطالب بحق الملك، والليل يقتضي دين الحب، فلا وجه للراحة. 30/5/1993

اذبح حنجرة الهوى بسكين العزيمة

  عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام