عبد الحميد أحمد

خروف ذوي الدخل المحدود

الخروف الصومالي هو نجم عيد الأضحى هذا العام بلا منازع، وحامل سعفته الذهبية وأوسکاره.

فقد قرأنا أن الصومال صدر شحنات من الخرفان بعشرات الآلاف إلى الخارج وذلك لأول مرة منذ نكبته، وبعد مرور حوالي ستة أشهر على دخول القوات الأمريكية والدولية إليه. وبما أن الخبر لا يصدق، فإن الوكالات سارعت بإرفاق صور للخرفان، المحتشدة في ميناء بربرة، وشاهدنا طلائعها تصعد السلالم إلى البواخر، بعد أن كنا لشهور لا نرى سوى طلائع القوات والجنود الواصلين إلى الصومال، أو طلائع المواد الغذائية التي سرعان ما تتكدس على الأرصفة قبل توزيعها أو نهبها على أيدي المتقاتلين.

وكان بإمكاننا ألا نصدق أكثر، خاصة أن هذه الوكالات درجت على بيعنا الكثير من الكذب والقليل من الحقيقة، ثم إنها ربطت خرفان الصومال بوجود القوات الدولية، فما أدرانا مثلاً ألا تكون الصورة مأخوذة من الأرشيف، أيام كان الصومال يصدر الخرفان والموز والبخور والجلود وغير ذلك، مما يشكل موارد ميزانيته فتكون كمن يقدم دعاية مجانية للقوات الدولية ونجاحها، فنطلب عندها ونطالب بإلحاح بإدخال هذه القوات إلى كل بلد عربي آخر منكوب في اقتصاده ونظامه وخرافه، ومتأزم حتى الركب، فيتحول بعد شهور إلى منتج ومصدر لذوات الأربع بفضل هذه القوات التي تستحق أن نضعها على العين وفوق الرأس، ونضرب لها ألف تعظيم سلام وسلام؟

إلا أن المية تكذب الغطاس، كما أن الشوف بالعين واللمس باليد والتذوق باللسان غير السماع بالأذن، وهذا ما لاحظه جمهور الناس الذين ترددوا على أسواق الغنم والأضاحي، حين شاهدوا بأمهات عيونهم الخروف الصومالي العائد للأضواء بقوة، ينطح ويمامئ ويقفز سعيداً بين الخراف الأخرى، معلناً عن وجوده العلني كأنه البدر بعد غياب.

غير أن الناس ما كان يهمها الحروف الصومالي من غيره، طالما أن الحروف، كائناً من كان كامل الأوصاف فتني، وتتوفر فيه مقاييس السلامة ما يجعله صالحاً للذبح، إضافة إلى السعر طبعاً، لذلك فإنها تحمد الله على عودة الصومالي تحديداً إلى الأسواق، فقد استطاع كبح جماح السوق وغلاء الأسعار، واستغلال التجار لمناسبة العيد، فكان بحق خروف ذوي الدخل المحدود والمهدود، وجالب الفرحة، لقلوب الذين لا ترتفع جيوبهم لمستوى الخروف الاسترالي أو السوري أو المحلي، أو غيرها من ملوك الخرفان، التي صار سعر بعضها من سعر دراجات سوزوكي وهوندا، مما أتصور معه، أن يدعو هؤلاء الله أن يديم عليهم نعمة الخرفان الصومالية، وأن يبقي القوات الدولية حيث هي، ما دام وجودها يضمن تدفق خرفان الصومال إلى الأسواق، وبالتالي إلى مطابخهم فلا يحرمون منه في يوم سار كعيدنا هذا.

لذلك، ففرحة هؤلاء لا توصف بهذه العودة الحميدة، ويتمنون عليها أن يفك الله ضيق بلدان أخرى، فتصدر إليهم بضائعها الأرخص سعراً من غيرها، فعند هؤلاء الأسعار في ارتفاع، والحرارة في ارتفاع، والأحداث في ارتفاع، والإرهاب في ارتفاع، والدولار في ارتفاع، فيما عدا رواتبهم ومداخيلهم وحدها في حالة تضامن وصمود ومسك واجب، مع الحالة العربية الراهنة، التي تسير من انحدار إلى انحدار.

غير أننا لا نريد أن نفسد على هؤلاء، ولا على غيرهم من القراء، فرحة العيد، فننكأ جراحهم، ويكفي أن نهنئ الصومال بخرفانه العائدة المظفرة، التي لولاها لما عرف بعض الناس اليوم طعم اللحمة والمرق، متمنين في الوقت نفسه للصومال الخروج من محنته، ودوام التوفيق له ودوام الخرفان أيضاً وازدهارها، بالنيابة عن الذين سرهم عودتها أكثر من غيرهم، وبالتالي «إعادة الأمل» إلى الأسواق العربية.

.. وكل خروف صومالي والجميع بخير.   31/5/1993

خروف ذوي الدخل المحدود

  عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام