عبد الحميد أحمد

الحوادث السعيدة

يتمنى الواحد منا أن يقع له حادث سعيد واحد في السنة، حتى لو كان فوزاً في يانصيب أو مسابقة رمضان، فلا يجد، بينما الحوادث من كل نوع لا تتوقف عن السقوط على أم رأسه يوماً.

والحوادث ليست كلها حوادث سيارات أو طائرات أو قطارات، مع أن في بعض هذه الحوادث ما هو سعيد كالرجل يتعرف على زوجته في محطة بنزين، أو على إشارة مرور فيعتبر الحادث عندها سعيداً، ثم لما يمر عليه زمن يبكي منها.

ونبحث عن السعادة في العيد، حتى لو كانت في حادث فلا نعثر عليها، فمنا من اشتری خروفاً يفرح به العيال، فلما ذبحه اكتشف أنه مغشوش، وهو كما ترون حادث دفع ونصب واستغلال، وفوق ذلك حادث غفلة وتنبلة.

فإذا خرجنا إلى الشوارع، وجدناها مكتظة بالسيارات والبشر والناس، فيكون عليك أن تقطع طريقاً طوله أقل من كيلو متر في ساعة، وإذا ذهبت إلى حديقة وأنت تتحمل حرارة الجو، لم تجد لك مكاناً هادئاً لك ولعيالك، وإذا هربت إلى البحر، وجدت على الشاطئ من الناس أكثر مما في البحر من سمك، وفوق ذلك يطلع لك من يبصبص عليك وعلى غيرك، فتلعن الساعة التي قررت فيها الخروج.

ثم تسأل وأنت تعود إلى المنزل: من أين جاء هؤلاء وهل بلادنا فيها كل هذا العدد من الأجانب؟ فتتمنى مع هذه الحالة انتهاء الإجازة بسرعة، لكي يعود هؤلاء إلى مكاتبهم وأعمالهم، فيخف الازدحام في الطرقات، وترتاح الشوارع والحدائق والشواطئ، فإجازة هؤلاء حادث غير سعيد.

وتفتح التلفزيون، فيعرض عليك هذا فيلماً شاهدته خمس مرات، أو تربطك مذيعة ربطاً من عنقك ثلاث ساعات في برنامج لا تخرج منه بعدها إلا بصداع وخسارة علبة اسبرين وثلاثة أو أربعة أكواب من الشاي الكشري، فهي تقابل مطرباً أو ممثلة، ولا شغل لها في البرنامج إلا الضحك والابتسام بميوعة والتحدث باستمرار وكأنها مكلفة بإغلاق فم الضيف، وإذا قلبت على نشرة الأخبار، ظهرت لك صور الليبيين في إسرائيل، فتتأسف على المذيعة وضيوفها، فهي على الأقل لا تكلفك أكثر من اسبرين، فيما الأخبار تحتاج معها إلى فاليوم من العيار الثقيل.

ولا يبقى أمامك وأنت تبحث عن حادث سعيد، سوى الذهاب إلى فندق للاستمتاع بفنجان قهوة على المزاج، وعلى أمل أن تضحك في وجهك النادلة الفلبينية، فتعتبر ذلك حادثة سعيدة، غير أنك تفاجأ أن النادلة تخدم ضيوفاً آخرین من طبقة أرقی، فیجيئك بدلاً منها عامل آخر متنكر في ثياب تیمور لنك، ولما يحضر القهوة تكتشف أنها ماء ساخن أسود، فتستخسر فيها العشرة دراهم، وفي تیمور لنك هذا درهماً بقشيش.

وتسأله على اعتبار إنك اجتماعي ومهذب ومتواضع يتحدث مع العمالة من أي نوع: ما برامجكم في الفندق؟ فيجيب: عندنا فنانة من استراليا تقدم وصلات من الرقص الشرقي، فتغض النظر عن برنامج السهرة، خوفاً من أن تطلع الفنانة خروفاً استرالياً علموه الرقص، فتفتح الجريدة، قالباً صفحاتها إلى أبراج الحظ، لعل وعسى: فتقرأ: أخبار سارة في الطريق إليك.

وحالما تنتعش نفسك على حظك، تسارع إلى فتح صندوق البريد وأنت في طريق العودة إلى البيت، لعلك تجد فيه الأخبار السارة تفرح بها أم العيال الحردانة لجلوسها في البيت أيام العيد، فلا تطلع من الصندوق إلا فاتورة اتصالات، التي تجد فيها رقماً كبيراً أنت مطالب بدفعه، ولأنك تعرف مسبقاً أنه لا فائدة من مراجعة المؤسسة، بسبب هذه الفاتورة غير المتوقعة والمفاجئة، حتى لو راجعت فيها هنري کیسنجر نفسه ليحل لك لغزها، فتطويها وتضعها في جيبك متسائلاً: هل ندفع فواتير الاتصالات السلمية المكثفة هذه الأيام، بين العرب وإسرائيل ونحن لا ندري؟ 2/6/1993

الحوادث السعيدةالحوادث السعيدة

  عبد الحميد أحمد

جيوب أنفية لإحلال السلام

()