عبد الحميد أحمد

نصوص ليست للقراءة

يلعب أمين صالح في «ندماء المرفأ، ندماء الريح» لعبته التي ألفناها منه في قصصه ونصوصه العديدة، لا يذهب بعيداً وراء اللغة وحدها، بل وراء الحلم أيضاً، يوغل في الذاكرة، وكأنه يوغل في النسيان، لا لكي يترك القارئ مضطرباً ومرتاباً في دغل النسيان، بل لكي يجره جراً إلى حظيرة الذاكرة، وما أمرها!

هي الكتابة ضد النسيان ضد الموت، كتابة تبدأ من أول السطر، من كلمة وراؤها كلمة، ثم لا تنتهي تظل عالقة في المدى، أو في الذاكرة، أو في داخل الروح، ومنها يتشكل نهر من الرؤى. سيل من الكلام الممتد، يرتقي إلى مكان ما، في داخل القارئ، أو في ذاكرة الوقت الذي مر والذي سوف يأتي.

هي كتابة لا زمن فيها، وفيها كل الأزمنة، كتابة لا مكان فيها، وفيها كل الأمكنة. كتابة ساخنة لها رائحة النار، أو كتابة مثلجة لها طعم الصقيع، ولهذا قد تحرق هذه الكتابة أصابعك وتشعل النيران في عقلك. أو قد تحمل قلبك، وعلى مهل، إلى سرير الثلج. كتابة حدية، إما أن تكون معها، أو تكون ضدها، وفي الحالتين تكون هذه الكتابة قد أصابت العصافير بحجر واحد!

هي حدية في الشكل، صدامية في المضمون، لكنها تجعل سفينة القارئ ترسو على مرفأ واحد: الحلم.

وحين تنجح في ارتكاب هذا الفعل، تكون قد وضعت أقدامك على بوابة الوطن، ودفعت بوجهك الكظيم إلى مواجهة المقبل، في الزمان والمكان.

كل شيء يشف مثل قطرات الندى، لكنه يقسو أيضاً مثل صخور الجبال: «وقد أذهلتنا جسارته حين رمى – بحركة مفاجئة – حصاة أصابت الشمس فقرت في الحال. ها هو يضيف إلى معرفتنا حكمة جديدة، فالعالم ليس نتاج الضرورة والصدفة فحسب، وإنما الحلم كذلك. آنذاك صحنا به: انحدر لنجلس معاً، ونتحدث.

هكذا تتكون الكتابة عند أمين صالح، مجموعة من الحجارة يرميها في الطريق إذ تمضي صوب البحر، وكأن هذه الحجارة لا معنى لها. أحدهم عبث بها وفيها ومضى، تاركاً لمن يجيء وراءه، تاركاً للقارئ،

مهمة الجمع والترميم، فإذا في هذه الحجارة كل المعاني.

لا بد من إعادة التشكيل، من إعادة القراءة، إذ تبدو هذه الكتابة – في وهلة كسلى – كتابة بعيدة نائية، آتية من خراب عظيم خرافي الملامح، وذاهبة إلى الغياب، إلى البياض، إلى حيث لا شيء، هي كذلك، لكنها لا تستمر كذلك، إذ سرعان ما تنتصب فحولتها، وتفح أنوثتها، وتعبق رائحتها، فإذا هي آتية من ذاكرة تنشط في مواجهة الغياب، وتسير إلى ذاكرة تكاد تموت، لتضخ فيها روحاً تقاوم النسيان، وتتشكل في الحضور الساطع وطناً، إنساناً، لا يبلى هو، ولا يموت هو.

يقول: «لم نشأ» في مسيرتنا الدائخة، أن نهدهد حمى السفر فينا، أسرفنا في التيه وما من نداوة تلقح انسامنا، كثبان تحصي أرقنا، مسبار يراوغ أصابعنا لكن في عين تائهة، غارقة في اليأس، يلحظ الهدهد الراصد إشراقة وألقاً. ها هنا – قلنا نحن النازحون – في قلب المفازة نعلق الحكمة على أوتادنا أمارة لوطن يتبعنا متعثراً ولا يلحق بنا. رأيناه من بُعد مثقلاً بالنحيب ملطخاً بالإثم، يدحرج مدنه الليفية على منحدرات الحلبات اللاهية، فصحنا به ولم نقصد إهانته: عد من حيث أتيت يا وطن القيد والتعب، يا وطناً أحببناه كثيراً ومتنا من أجله كثيراً. اترك لنا جنازة الأشلاء، نحن البارعون في النسيان، العامرون بموهبة الاختزال.

ولأنها تستمد وقودها من الحلم، فإن هذه النصوص / الكتابة، تغرس في أحشائها نسغ الحلم أيضاً، وتنقل هذه العدوى إلى الآخرين، ممن يغرقون في دهاليزها المضيئة والمعتمة على السواء، وما بينهما – ما بين الحلم القادمة منه والحلم الذاهبة إليه – ينهض عالم من اللغة المكابرة، العصية، الحادة، الشفافة، وتنبني مناخات أسطورية (وواقعية أيضاً) تشاكس الأزمنة الغابرة، والأزمنة المرة، وتشاغب الأمكنة التليدة والأمكنة الفاسدة، ولا تكتفي، إذ تترك البقية لقارئ يحلم، أو لقارئ لديه مشروعه في الحلم النبيل.

هذه النصوص ليست للقراءة، لكنها للذاكرة، لا قيمة لها إن لم تشعل الذاكرة، وإن لم تشغل الذاكرة أيضاً، إذ إنه: «حين انتفض ضوء الزبد في صدورنا وارتعش الماء بين أهداب الليل، حلمنا الحلم المشترك، الحلم الفاخر الذي لم نحلم به بعد، ذاك الذي رش أنداء اللذة في أحشائنا ومضى قبل أن نراه، قبل أن نمجد حضوره، تاركاً لنا رائحته

الإلهية».

ولهذه النصوص رائحة زمان ينهار، وطعم بحر يحترق، واشتعال ذاكرة تنهض في الخراب، والأهم: نكهة الحلم.

نصوص ليست للقراءة