عبد الحميد أحمد

التمكين الوطني مرة أخرى… ليس تهويلاً ولا شخصنة… بل واقع حال

من سوء الصدف، أو من حسنها، أنه في اليوم الذي تعلق فيه نشرة “أخبار الساعة” الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على موضوع “جمعية الـ4% والتمكين الوطني” في صفحات “وجهات نظر”، تنشر الصحيفة نفسها على صدر صفحتها الأولى خبراً عن وكيل لنوع من أنواع الأرز، يتحدى فيه السلطات بعدم خفض سعره أو تثبيته، وإذا علمنا أن التاجر أجنبي فإن ما أشرنا إليه من خطر عدم التمكين الوطني، يصبح ظاهراً للعيان ولا حاجة إلى دليل.
هذا التاجر الأجنبي الذي يحتكر نوعاً من أنواع الأرز، الغذاء الرئيسي لمواطنينا، لا يهمه هذا المواطن ولا الوطن، قدر اهتمامه بربحه ومصلحته، وهو يتحدى لأنه يستطيع أن يستخدم قانون الوكالات التجارية لمصلحته، كما أنه يمكن أن يستخدم خوفنا من التدخل في شؤون التجار والوكالات والاستثمارات بحجة (وهذه الحجة يضعها لنا بعض اقتصاديينا للأسف) حماية الاستثمارات الأجنبية وتوفير البيئة الملائمة لها، وذلك في غياب تشريعات موازية، تعمل بها كافة دول العالم، بما فيها زعيمة الاقتصاد الرأسمالي الحر الولايات المتحدة، كتشريعات مكافحة الاحتكار وحماية المستهلك.
المستهلك هنا، مواطن وغير مواطن، لكن يهمنا هنا أكثر الآن هذا المواطن، الذي يحاول تجار سرقة الـ25% الزيادة على راتبه، فلا تستطيع الدولة حماية هذه الزيادة، مما يدخلنا مرة أخرى في موضوع “التمكين الوطني” فالمواطن لم “يُمكّن” من استمتاعه بحق الزيادة هذه، فيما الأجنبي بحكم القانون “مُمكّن” من رفض إجراء أي تخفيض.
وعودة إلى تعليق نشرة “أخبار الساعة” فإن ما ذهبنا إليه ليس “تهويلاً” ولا “شخصنة”، كما أننا لسنا مع “تهوين” الموضوع، وأؤيد تماماً دعوة النشرة إلى دراسة الآثار الفعلية لموضوع المواطن في مواجهة الآخر، وأرى أن أي دراسة سوف تنتهي إلى الأخطار الفعلية المحدقة بهذا المواطن في أرضه، فإذا لم تكن الأخطار ذات طبيعة سياسية حالياً، فإنها حتماً ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهذه الأخطار الاقتصادية والاجتماعية سوف تقودنا بالضرورة إلى أخطار ذات طبيعة سياسية مستقبلاً، وانظروا حالة التاجر الهندي أبو السنارة الذي يتحدى السلطات بعدم خفض أسعاره، وخذوه مثالاً.
وإذا لم يكفِ أبو سنارة مثالاً، فإليكم بآخر، هو صحفي أوروبي يكتب في إحدى صحفنا الناطقة باللغة الإنجليزية وهي “سفن ديز” Seven Days بتاريخ 3/6/2005 مقالاً بعنوان “الآن يجب أن نشكر أميركا على سياستها”، يطالبنا فيه، أو بالأحرى يطالب بني جلده، وبقية الأجانب المقيمين في البلاد، بتوجيه مثل هذا الشكر إلى بوش، ذلك لأن الإدارة الأميركية تضغط لتغيير قانون العمل في الدولة، لإنهاء ما يسميه الاستغلال البشع للعمال هنا.
ويستهل هذا الكاتب مقاله بجملة أضعها كاملة هنا، تقول: “ربما تكون الإدارة الأميركية الراهنة للرئيس جورج بوش هي الحظ الأسعد الذي يصيبه مئات الآلاف من العمال ممن يتعرضون للاستغلال هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة” ويضيف “إن إدارة بوش يمكن أن تكون المنقذة لآلاف العمال هنا في الإمارات من ممارسات تسبب الغثيان كالاستغلال والموت في مواقع العمل وعبودية العمالة المكتبية”. ثم يضرب مثالين لما يسميه بالاستغلال، الأول لعامل لا يتقاضى راتبه بانتظام، ويعمل ما بين عشر و12 ساعة يومياً مقابل 800 درهم، ثم لموظف هددته شركته بالحرمان لستة أشهر في حال انتقل للعمل لدى شركة أخرى، ويضيف “هذا الرجل نموذج لإنسان عادي من الطبقة المتوسطة ورب عائلة يعمل بجد لبناء دبي الحلم. إن الناس من أمثاله، من أمثالكم وأمثالي، هم في أوجه عديدة العمود الفقري لازدهار المدينة الحاضر والمستقبلي”.
والمقال بعد ذلك ينقط سماً، إلا أننا نختتم مقتطفاته بهذه الجملة الأخيرة الاستفزازية لنا جميعاً:”إن ما يؤسف له هو أن الأمر تطلب ضغوطاً أميركية لدفع البلد في هذا الاتجاه (أي اتجاه تغيير قانون العمل). لكن إذا كان هذا هو الثمن المطلوب لوقف الاستغلال المتفشي للعمال من الطبقتين المتوسطة والدنيا في هذه المدينة، فيجب علينا أن نتوجه بالشكر للرئيس بوش مهما بدا ذلك مزعجاً”.
هل هذا مزعج فعلاً؟ نعم إنه لمزعج، فقد تعوّدنا مثل هذه المقالات السامة تأتينا من خارج الحدود، لكن هذه المرة مثل هذه المقالات تكتب بين ظهرانينا وداخل بلدنا وفي صحفنا التي نرخص لها ومن ثروتنا أيضاً، فنعلم من ذلك أن خطراً سياسياً يمكن أن يهددنا من الداخل كما هو الحال مع الخطر الاقتصادي والاجتماعي الذي يمثله التاجر أبو سنارة.
ونحن للأسف، لن نستطيع أن نفعل شيئاً لمثل هذه الممارسات التي تتحدانا مباشرةً، ذلك، ليس لأن خوفنا من التعرض لهذه الممارسات بحجة حماية الاستثمارات الأجنبية أو بحجج حرية الرأي وغيرها من حجج يسوقها منظرو الاقتصاد الجدد تمنعنا من ذلك اليوم، بل لأن متطلبات العولمة سوف تمنعنا غداً من ذلك، وسوف تقدم الحماية اللازمة للأجانب، ما يؤكد على أن تمكين الأجنبي في بلادنا يسير على قدم وساق.

عبد الحميد أحمد
جريدة الاتحاد

الإثنين 6 يونيو 2005

()