عبد الحميد أحمد

أول الورطة

في أول الأمر يبدو أن في التكليف إغراء، ثم تصرخ في داخلك: يا هي ورطة!

ورطة فعلاً هو العمود اليومي، ويعرف من كابد الكتابة كم أن الكتابة نفسها ورطة، فكيف بالكتابة اليومية غير المنقطعة وفي صحيفة تلامس آلاف العيون يومياً صفحاتها؟

يتراجع طيف الإغراء أمام تقدم رغبة التحدي، وحين تقبل بالتكليف وتقلب الأمر على وجوهه وتسرح في الموضوعات التي عليك أن تتابعها كل يوم وتكتب فيها تجد نفسك وسط بحر وسيع خذ منه ما تشاء، هو بحر الناس الذين تكتب عنهم ولهم وعليك وأنت تحسب في نفسك المعادلة الصعبة أن تضع أمام عينيك مؤشراً تتجه عقاربه في كل الاتجاهات في اللحظة الواحدة، فما يهم الناس كثير وما يكتب عنهم، أكثر، هذا رقم واحد ورقم اثنين ان الناس أجناس وأذواق واهتمامات وشرائح فمن الناس من يهمه سعر «الشعري» ومنهم من يهمه في «الشعري» نظافته من النفط الذي ملأ الخليج بفعل «أم الكوارث» ومن الناس من لا يعرف مكان سوق السمك، لكنه يعرف ما يدور في كواليس السياسة والاقتصاد ويتابع أخبارهما ومنهم أيضاً المرأة، وهذه عالم بحد ذاتها ومنهم الطالب في المدرسة أو الجامعة، ومنهم الصياد والمزارع ومنهم الموظف والتاجر والمثقف ولكل همه ومطالبه وعالمه، ومن الناس أيضاً من لا يهمه شيء إلا أن يقضي وقته مستمتعاً ضاحكاً على قدر ما يستطيع.

هذا هو عالم الناس باختصار، ولكي تكون «مع الناس» عليك أولاً ألا تكون مع نفسك وأن تنسى همومك، لأنك قبلت تحدياً أن تكتب لهم وعنهم.

وهذا العمود يطمح في أن يكون كذلك ويعرف أيضاً أن ضريبة كونه يومياً وكونه للناس هو أن يحظى ببعض المحبة منهم، وفي الوقت نفسه بالكثير من العتب والغضب وربما الكره أيضاً، فرضى الناس غاية لا تدرك، وللناس بالنسبة لأي صحيفة الأفضلية.. وهم على حق في أكثر الأحوال.

هي ورطة، أعاننا الله عليها، وكان في عون كافة الزملاء الكتاب الآخرين ممن حملوا هذه المسؤولية من قبل ومازالوا يحملونها، فمن بعد ومن قبل هي ورطة حلوة، تماماً مثل الصحافة كلها، حلاوتها في تعبها وفي مرارتها!

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، 1997. ()