عبد الحميد أحمد

بحر.. وسمك

  • كتب الزميل الشاعر عارف الخاجة: «إذن فلنبدأ، فلنكتب، فلنغن، لا شيء إلا ما تقولونه لنا. لا وقت إلا ما تعطونه لنا. لا درب إلا ما تمشونه معنا. لا صوت إلا ما نرفعه معاً. لا شمعة إلا ما نوقدها سوياً. لا أرض إلا ما تزرعها جميع السواعد، ولا كتابة مختلفة إلا ما تخطها الأقلام المتراصة المتظافرة المتوحدة».

ودعا الزميل وهو يستهل صفحته الثقافية اليومية في الزميلة «البيان»، الكتّاب والأدباء والمثقفين إلى «الخروج من دوامات الصمت، إلى تأججات الإنشاد.. إننا ندعوكم للإضراب عن الصمت، ورسم لوحة جماعية، وكتابة قصيدة جماعية جديدة»، وتساءل: «هل يمكن أن تلغي العرض الأول لمسرحية الخلق بعد أن غصت القاعدة بالجمهور؟ هل يمكن أن يكون الصمت هو المنفى الوحيد والأخير الذي نختاره في هذا الوجود؟».

ومع تقديم التهنئة الحارة لولادة هذه الصفحة الثقافية الجديدة، نتوقف قليلاً عند محطتها وعند محطة أخرى صدرت في أواخر العام المنصرم، وهي ملحق الزميلة «الوحدة الثقافي» الذي ظهر إلى الوجود بثوب بديع وبجهد صحفي وثقافي متميز.

بعد وقت من الكسل والترهل، بعد وقت من الزيف والإحباط واليأس، بعد وقت من الضجيج المفرغ من أي معنى، بعد وقت من السير في الضباب والغبش، بعد كل هذا، ومع ما شهدته الساحة الثقافية في العام الماضي من نهوض نسبي، وما تشهده حالياً من حركة وعافية لا تخلو من الجدية والفاعلية، نشير إلى الإمكانيات الذاتية والموضوعية المتوفرة لخلق حركة ثقافية فاعلة ونشطة ومعافاة، تكون خير دافع ووقود إلى خلقٍ أدبيٍ جاد ومثمر يسمو إلى درجات عالية من الإبداع والابتكار والجودة.

ليس «البيان الثقافي» و «الخليج الثقافي» و «الوحدة الثقافي» و «ثقافة وفكر»، إلا منابر تعكس هذا النبض الذي نقصده، إلا مرايا لهذه الهموم، لهذه التجليات، ولهذه الحياة الثقافية في صعودها أو انكسارها، وهي في الوقت نفسه جزء من أدوات ومؤسسات الثقافة والأدب، التي تزداد انشغالاً واهتماماً و«تورطاً» في الحركة الثقافية يوماً بعد يوم، إلى جوار أدوات ومؤسسات وقنوات أخرى كالمجمع الثقافي والدائرة الثقافية واتحاد الكتّاب والأدباء، إضافة إلى بعض الأدباء والمثقفين (الأفراد) ممن يشكلون هم أنفسهم مؤسسات قائمة بذاتها كل إمكانياتها عطاؤها المتواصل وتفانيها الفذ، وانشغالها اليومي الحميم بالثقافة، إنتاجاً أو إدارة.

في خضم كل هذا يتشكل بحر كبير، من موجة إثر موجة، ومن قطرة بعد قطرة، ومن لا يستطيع أن يكون موجة أو قطرة، ومن لا يستطيع أن يكون داخل موجة أو قطرة، سوف يجد نفسه منفياً عن بحره الكبير، مثل سمكة ارتمت – أو رماها البحر – فوق شاطئ الموت لتدفنها الرمال.

ولهذا، لا تنبثق صفحة ثقافية جديدة هنا أو هناك، ولا تتحرك مؤسسة ثقافية رسمية أو أهلية بمزيد من النشاط والجد، ولا يواصل مثقف أو كاتب عطاءه وخلقه العام والخاص، إلا بالشعور والإحساس بضرورة التواجد في هذا البحر، بأهمية الدخول المتقن إلى الحياة الثقافية، وبجدوى الالتحام مع الحركة الثقافية وحضورها الذي يتشكل لبنة لبنة وبأهمية وحيوية التفاعل معها أخذاً وعطاءً مستمرين.

هو إذن، النزوع الداخلي الحار، النزوع الذي لابد يراود كل مثقف وكاتب يعتقد أن له دوراً يلعبه، مهما صغر أو كبر هذا الدور، النزوع في أن يكون وفي أن.. يكوَّن.

ترى، ألهذا، أنشئت المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية؟ ألهذا صدر «البيان الثقافي» و«الوحدة الثقافي» ومن قبلهما كافة المطبوعات الثقافية والأدبية، سواء أكانت مجلات أم دوريات أم أعمالاً أدبية؟ ألهذا يزداد النشاط الثقافي يوماً بعد يوم؟ الجواب يملكه المعنيون والمشتغلون في الحقل. ونعتقد أنه نعم.

إذن هي دعوة نضمها إلى دعوة الزميل عارف الخاجة لأولئك المضربين عن الكلام، ولأولئك الذين يحملون فوق ظهورهم ذواتهم ويدوسون العالم والآخرين بـ «حوافرهم»، هي دعوة للإضراب عن الصمت وللدخول مجدداً إلى الحياة الثقافية لا الدوران على هامشها، فـ «لا بحر إلا ما تقطعه كل المجاديف» ونضيف: «لا بحر أيضاً دون سمك ميت!».

…. ولكم الخيار والاختيار.

بحر.. وسمك

()