رماد الحب_1

رماد الحب

لم يعرف احد من المشاركين في جنازة فيليبي غونزاليس سر العصا التى دفنت معه بناء على توصيته إلا قلة من اقربائه واصدقائه المقربين وانا منهم .

حين وصلتني الرسالة النصية منذ ايام من صديقنا المشترك جوناس ماركوس بأن فيليبي  استسلم اخيرا للموت وفارق الحياة التي احبها كثيرا ، لم اتفاجأ ، فقد كنت اعرف انه في أواخر أيامه بعد ان استبدّ به السرطان ولم يترك له مجالا للنجاة ، غير أنني حزنت كثيرا لرحيل إنسان رائع مثله جمعتنا سنوات جميلة في الجامعة .

كنا مجموعة طلبة من كل مكان ، أنا من الإمارات وجوناس وفيلبي من الولايات المتحدة وهناك آخرون من أفريقيا ودول اخرى ، غير ان ما جمعنا نحن الثلاثة هي صداقة متينة ، ربما بحكم اننا كنا في كلية واحدة وتشاركنا السكن وكذلك السهرات والرحلات اثناء الاجازات إلى أنحاء متفرقة من الولايات المتحدة انطلاقا من مدينة الدراسة بوسطن . صداقتنا لم تنته مع انتهاء الدراسة وعودتنا بل استمرّت عبر المراسلة والمهاتفة والزيارات المتبادلة كلما امكن ذلك . كنا نعرف عائلات بعضنا ونعرف بعض خصوصيات بعضنا . لكن اجمل قصصنا هي قصة فيليبي المستحيلة في زمن السرعة وانعدام العواطف وغلبة المصالح وتوحش الرغبات ، فمن كان يعتقد انه في مثل هذا الزمن سوف تورق قصة حب جميلة من بين صخور الواقع ؟

لم يكن ماحدث لفيليبي امراً عاديا ، هناك قوة خفية اختطفته ليخوض مغامرة لا تحدث عادة في الحياة . قبيل تخرجنا وبالصدفة التقى فيليبي بالبروفسور مايكل كينغ الذي يدرسنا مادة العلاقات الدولية في الشارع الموازي لطريق الكلية . كان بصحبة زوجته ذات الأصول الهندية ، فتوقف الاثنان لتبادل التحية وبعض الكلمات ، لكن ماجرى بعد ذلك كان صاعقة إذ التفت فيلببي فجأة إلى مدام كينغ ومن دون مقدمات قال لها امام ذهول زوجها وارتباكها : سوف أتزوجك! ولم يزد كلمة اخرى بل مضى في طريقه وقد صعق الموقف الزوجين شبه الشابين ولم يعلما طبعا ان من تلفظ بتلك الكلمتين كان قد صعق قبلهما .

نحن بدورنا صعقنا ايضا حين اخبرنا فيليبي بالواقعة ، فنحن لم نعرف عنه سوى جديته واستقامته واحترامه للآخرين ، واضاف انه لم يصدق تلك اللحظة كيف شلت روشنا زوجة البروفيسور حواسه بالكامل وصعقت كل قواه فصمم على الفوز بها دون التفكير في انها متزوجة ولديها طفلان من هذا الزواج . لا اعرف ما جرى .يقول. لقد أحببتها . يمكنكم تسمية ذلك جنون ، لكن هذي الحقيقة .

كنت انظر من نافذة الطائرة إلى الغيوم البيضاء الكثيفة يخترقها شعاع الشمس ، وانا في طريقي لحضور جنازة الصديق الراحل بعد ان تلقيت الرسالة النصية بوفاته وبموعد دفنه ، وتذكرت كيف مرت السنوات سريعة علينا وهانحن نفقد صديقا خطفه الموت قبلنا ولم يشارف الستين بعد ، ربما أراد فيليبي  اللحاق بحب حياته التي سبقته بسنوات اثر تعرضها لحادث سير على الطريق السريع فكسرت قلبه وحطمت روحه . لقد كانت حب حياته وأقرب إليه من الناس جميعا . لم نتصور ان لقاء عابرا بصحبة زوجها  سوف يتحول إلى قصة حب غير اعتيادية امام أعيننا ونشهد تجلياتها ولو من بعد .

كان يحدثنا في اللقاءات القليلة وعبر الهاتف عنها باستمرار وكانت هي بدورها تبادله الحب وكأنها اكتشفت  فيه توأمها فانخطفت تجاهه بجنون ووافقت على الزواج منه مع فارق العمر البسيط بينهما بعد ان هجرها زوجها ثم انتهى أمرهما إلى الطلاق بكل وئام . كانا ثنائيا عاشقا اثار إعجابنا ومحبتنا على الدوام ، وكنا كثيرا ما نتذكر معهما : سوف أتزوجك ! التي كانت روشنا تقول عند سماعها انها ظنت ان هذا الطالب تلميذ زوجها البروفيسور مجنون فعلا او مستهتر او مبتذل لا يحترم الخصوصيات . تضيف : كلا لم يكن فيليبي كذلك . نعم كانت لحظة جنون ، لكنه متى كان الحب عقلا ؟

فيما بعد اعترفت روشنا لنا انها بعد هذا اللقاء المجنون صارت تفكر فيه كثيرا وانشغلت به وازدادت شغفا به في لقاءاتهما ثم تحول الشغف الى حب جارف من ناحيتها كذلك. اما فيليبي فيقول : لم ار فيها شيئا، لا عيونها الواسعة التي أراها الان ولا شعرها الاسود المتماوج ولا شفتيها الخمراوين كي اعشقها. هناك طاقة سحرية جذبتني وجعلتني افقد عقلي تماما فقلت لها امام زوجها : سوف أتزوجك! قال له جوناس : هذا سحر الهند ياصديقي .

حزن فيليبي كثيرا لموتها المبكر الذي مضت عليه الان حوالي ست سنوات ، وتألم كثيرا وهو يراها تدخل إلى الفرن لكي تحرق بناء على عقيدتها ، ومع فقدها شعرنا اننا فقدنا فيليبي ايضا الذي بدأت أحواله تتدهور بين حالات اكتئاب وشرود وصمت .كنا نعرف انه يتألم كثيرا لفراقها : كيف أعيش من دونها ! كان يردد باستمرار ، وزادت آلامه بعد إصابته بسرطان العظام الذي جعل حركته صعبة فكان لعدة سنوات يتوكأ على عصا لا تفارقه أبدا .

وصلت إلى الكنيسة في أطراف مدينة بوسطن حيث تجرى مراسم صلاة الجنازة على الراحل  وإلقاء النظرة الأخيرة عليه قبل نقله إلى الدفن في المقبرة القريبة . استقبلني جوناس دامع العينين فاحتضننته مواسيا ، وتقدمت معه إلى صحن الكنيسة لالقاء نظرة الوداع على صديقنا فيليبي، لمحت العصا التي كان يتوكأ عليها وقد وضعت معه في صندوق التابوت كما لمح ذلك جوناس ايضا ، وكدنا نجهش بالبكاء لولا ان تمالكنا انفسنا ، وبعد انتهاء المراسم مشينا مع لفيف من اقربائه واصدقائه إلى حيث سوف يتم دفنه ، وكانت غيوم خفيفة تظلل السماء ونسمات باردة تهب علينا لتخفف ما نشعر به من ثقل في قلوبنا الحزينة. وضع التابوت في حفرته ومعه العصا التي أوصى فيليبي ان تدفن معه ، دون ان يعرف كثير من الحاضرين سر هذه العصا .

خرجت وجوناس من المقبرة وسرنا مثقلين بالذكريات ، ثم فجأة انهمر المطر علينا بعد ان غامت السماء واسودت فلجأنا إلى مقهى قريب واتخذنا طاولة تسمح لنا برؤية المطر المنهمر على الطريق. قال جوناس وهو يرشف قهوته : هذا الرجل خرافي ، لقد أصر ان تدفن روشنا معه وان كانت رمادا . ما أروعك يا فيليبي .

قلت : لقد تذكرت حين رأيت العصا في التابوت كيف طلب من خدمة حرق الجثامين يوم حرقها ان يجمع له رمادها . سألته يومها : هل ستذروه في نهر تشارلز كما يفعل عادة الهندوس الذين يذرون رماد أحبابهم في نهر الكانج ؟ لم يجب بل طلب مني ان أرافقه غدا وهو يقول : ستعرف غدا .

في اليوم التالي ذهبنا إلى محل صنع العصي الفاخرة التي يستخدمها عادة كبار السن وطلب منه ان يصنع للعصا رأساً مذهبا ذا تجويف لكي يضع فيه الرماد ، وهكذا كان.

افترقنا على وعد ان التقي جوناس قبل مغادرتي بوسطن على الغداء غدا ، وفي بالي العصا التي توكأ عليها لسنوات صديقنا فيليبي ثم حملها معه إلى القبر . لقد كان في أعماقه يتوكأ على حبيبة حياته ولما مات دفنها معه ، تاركا لنا نحن اصدقاءه المقربين قصة حب سوف نتذكرها على الدوام.