عبد الحميد أحمد

القطرات والسواقي

يقال وهذا صحيح، إن العصفور يعرف من طيرانه والذهب من لمعانه وقد عرفنا علي الديباني كشخصية رياضية محبوبة، كان على الدوام مثالاً للمواطن المخلص الغيور، الذي يعمل بصمت وبلا كلل برز في مجالات اجتماعية تطوعية وأخرى رياضية كدوره في الأندية والاتحادات.

ومؤخراً عرفنا فيه جانباً آخر هو الوالد القدوة وبما أن لكل بيت بانياً فقد رفض علي الديباني قبول مهر من خاطب ابنته ضارباً بذلك مثالاً عملياً للآباء الذين يغالون ويبالغون في طلب المهر جاعلين من بناتهم سلعة خاضعة للمساومة، وإذا كان العصفور يعرف من طيرانه فإن الشجرة تعرف كذلك من ثمرها وثمرة علي الديباني ابنته كفاح وافقت بلا مضض وبروح هي من روح والدها ولم تشترط لا مهراً ولا ذهباً ولا منزلاً ولا سيارة ولا حفلة باذخة بفندق باستثناء شرط له دلالة إيجابية: إتمام التعليم الجامعي.

هي قدوة لبنات جنسها وهو قدوة لبني جنسه، وعلي الديباني ذكرني بشريحة من رجالنا عاصرت حياة ما قبل وما بعد النفط والرخاء فعكست تجربتها الحياتية المخضرمة نفسها على سلوكياتها وقناعاتها وأخلاقياتها في زمن ندر أن نجد فيه من استطاع أن يقاوم رنين المال والإغراءات وقد حماهم – رجال هذه الشريحة – سلوكهم المثالي ووعيهم المتبصر من غموض الدور والتباس المواقف، ومن رمادية المشاغل والهموم والادعاءات فصاروا ذهباً لا يغريهم الذهب وجذوع نخيل لا تقتلعها ريح من تربتها.

هو وهم يستحقون منا ليس الإشادة والمديح فحسب بل التقدير والتكريم أيضاً فنحن بحاجة إلى الوالد القدوة والمرأة القدوة والطالب القدوة، والجندي القدوة، والموظف القدوة والكاتب القدوة والتاجر القدوة نحن بحاجة لقدوة في كل حقل ومجال فبمثل هذه المناجل نستطيع أن نحصد سنابل الذهب عملاً طيباً وسلوكاً رائداً وإنجازات تؤسس وتنير وتسطع.

التضحية تخلق القدوة سواء بالوقت أو المال أو المتعة أو الصحة ولهذا فإن ضريبة القدوة فادحة وثمنها مرتفع فهي صمود ومواجهة وعمل لا ينقطع ومثابرة لا حد لها وعلى ذلك فإن البحث أولاً عن كل قدوة في مجتمعنا واجب يعني اكتشاف الذهب وسط الهشيم وتكريم كل قدوة ثانياً واجب يعني رد الجميل والوفاء وعليه يمكن لجمعيات ما، مثل الاجتماعيين والجمعيات النسائية وغيرها كل في اختصاصه، التنقيب عن «القدوات» أمثال علي الديباني وتكريمها بما يليق أما مني فلا أجد أفضل من قبلة على رؤوس هؤلاء محبة وتكريماً وتواضعاً ولا أجد أفضل من هذا الكلام أقوله لكل أب وأم وشاب وبنت: السواقي الصغيرة تصنع الأنهر الكبيرة، وقطرة، قطرة تصير غديراً فكونوا السواقي وكونوا القطرات.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.

()