عبد الحميد أحمد

صبراً آل كتاب

طول عمرنا نسمع من المثقفين والذين يحضون على القراءة والعلم عبارة الثقافة غذاء العقل، لكن من الواضح الآن أن هذا الشعار لم يكن في محله وأننا وقعنا طيلة السنوات الماضية ضحية خداع مدبر ومؤامرة من المثقفين شبيهة بمؤامرة الدول الغربية ضدنا حين أقامت في فلسطين دولة يهودية وساندتها بالمال والسلاح والبشر حتى صارت اليوم أمراً واقعاً لا مفر لنكرانه.

نقول هذا لأنه جاء الآن من يعيد الصح إلى مكانه والصح هو أن الفول الكاليفورني والزيتون القرطبي والمعكرونة الطليانية والاسباجيتي البولونية والهمبورجر المكدونالي وغير ذلك من الأطعمة الشهية هي غذاء العقل، وإلا ما اتخذ معرض للطعام والأغذية بأنواعها من التي تهم البطون جملة «غذاء العقل» شعاراً له وهو معرض سيفتح أبوابه للذويقة وللطهاة ولربات البيوت وأصحاب المطاعم بعد أيام قليلة.

وبما أننا نعيش الآن موسم المعارض، فإن المثقفين على موعد اليوم مع معرضهم السنوي في الشارقة، معرض الكتاب المعاصر، والذي هو بحق أم المعارض المتخصصة في بيع الكتب وتسويقها والترويج لها بين الجمهور والمكتبات، كونه أولاً أكبر المعارض التي تقام عندنا سنوياً، وأكثرها تنظيماً وإقبالاً من الناس ثانياً، وثالثاً كونه ثقافياً كرّس نفسه عاماً بعد عام بحضوره المتواصل وتطوره وازدياد الإقبال عليه من الناشرين والجمهور على السواء.

وما نطلبه هو ألا يغضب المثقفون ولا يزعل الأدباء والمهتمون لأن شعار غذاء العقل طار من معرضهم ليحط على معرض للطعام، فذلك يعبر عن واقع الحال، حال الناس وعلاقتهم بالكتب والقراءة إجمالاً.

فالناس اليوم في غالبيتهم وكما تعرفون مشغولة عن قراءة الكتب بقراءة فواتير الكهرباء والماء وفواتير اتصالات التي يصول فيها الكمبيوتر ويجول والتي تكسر الظهر، وفريق منهم مشغول بقراءة إشعارات الدفع المستحقة عن أقساط السيارة وتعليم الأولاد وأقساط أثاث البيت والزواج، وفريق ثالث فتحها الله عليه مشغول ليل نهار بقراءة الكشوف الشهرية لحساباته في البنوك وأرباح أسهمه في المؤسسات التجارية ومتابعة سعر الدولار والفائدة في جداول الصفحات الاقتصادية وندعو الله أن يدخلنا في زمرتهم.

ومن لم يكن كذلك فإن الكتاب لم يعد عنده خير الصحاب ولا خير جليس بل الجوال والطواش والأنيس خاصة عند شبابنا الميامين، حامين الديار والحمى وعدة المستقبل الثمين وآخرون عندهم الفيديو والتلفزيون أو الشيشة والمعسل على المقاهي والأرصفة والله يعين الثقافة والمثقفين السابقين والتابعين واللاحقين.

ومع هذا فإن الواحد من الأدباء والمثقفين يفرح بإقامة معرض الكتاب، فعنده المعرض نوع من الإصرار والسباحة ضد التيار فتجده ليل نهار يتجول في أجنحة المعرض يصافح الأصدقاء ويوزع الابتسامات كأنه في عيد فيما هو يتقطع حسرة لأنه لا يستطيع اقتناء كتاب أعجبه فجيوبه حشاها الغبار ولا تدخلها يداه إلا للاحتماء من البرد أو لاستخراج السيجارة وربما السيجار.

ولهؤلاء نقول: صبراً آل كتاب، فلعل شبيك لبيك يفتح لكم الأبواب، فيكون في مقدوركم اقتناء المانجو والكيوي وأكل الكباب، وفوقها كتاب، نأمل من الله ألا يكون موضوعه «فن الطهي» وإتيكيت المائدة.
من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()