عبد الحميد أحمد

خدامات من روسيا

صدق من قال إن مصائب قوم عند قوم فوائد. ويبدو أن مصائب المواطنين السوفييت ستتحول إلى فوائد عندنا، وفوائد حلوة مثل العسل.

وأمس طلبنا من جماعتنا المنظرين العرب الذين يكرهون جورباتشوف ولم يعودوا يطيقون حتى رؤيته أن يتركوه لحاله، فما عنده يكفيه ويزيد، لولا أن اليوم طلع من طلع ليشتغل تجارة على هموم المواطنين السوفييت.

فجماعة من التجار من الأردن تقدموا في عمان إلى السفارة السوفييتية يطلبون استقدام فتيات من البلاد التي كان اسمها الاتحاد السوفييتي للعمل كخدامات في المنازل، وحسب الخبر، فإن مهندساً أردنياً يعمل مديراً لشركة استيراد وتصدير مقرها موسكو قال إن شركته تريد تنظيم عملية الاستقدام هذه لجلب فتيات سوفييتيات لكي يعملن خدامات في المنازل في الأردن.

المغري في الأمر، حسب هذا المهندس، الذي يعمل بقانون الرجل المناسب في المكان المناسب، أن استقدام البنات من الجمهوريات السوفييتية سيكون بشروط أفضل وأقل من شروط الخدامات السريلانكيات، وحسب كلامه فإن الخدامة السوفييتية تقبل العمل بخمسين دولاراً «يا بلاش» كمرتب شهري.

وبما أن المثل الشعبي الفصيح يقول إن الجمل إذا طاح كثرت سكاكينه، فإنه من العار أن تتخلف سكاكيننا العربية عن حفلة اللحم والعظم، وحفلة الهبر العالمية المنظمة، ولهذا فإن جماعتنا، التي تشتغل في التجارة حسب متطلبات السوق، لا حسب متطلبات التنمية والاقتصاد الوطني والقومي، وكل هذه الخرابيط حسب معتقداتها، لابد أن تسارع بالدخول إلى السوق السوفييتية من أوسع أبوابها، باب البطون الجائعة واستغلالها، لكي تستورد أجمل ما في هذه الأسواق، من البضائع التي لا نشبع منها، مثل الخدامات، خاصة إذا كن شقراوات مثل السوفييتيات اللواتي عرفناهن أجمل راقصات باليه وأجمل لاعبات تنس وجمباز. وأتذكر أنني قرأت كلاماً لعدد من الكتاب يطالبون أقطارهم العربية بعدم الاكتفاء بالتفرج على ما يجري في الاتحاد السوفييتي، وبضرورة مد العلاقات وترتيبها من الآن مع الجمهوريات المستقلة خاصة الإسلامية التي تجمعنا وإياها علاقات العقيدة والتاريخ، كما تجمعنا مع غيرها علاقات مصالح اقتصادية كونها مثلاً جمهوريات نفط، إضافة إلى التأثيرات المحتملة كونها قريبة من جغرافياً، وبضرورة الاستثمار في هذه الجمهوريات التي تعيد ترتيب أوضاعها حسب نظام السوق، إلى آخر هذا الكلام الذي يحلم به هؤلاء الكتاب. ولهؤلاء نقول: أبشروا، فها هي بوادر ما تحلمون به قد أطلت بشائرها على أيدي النشامى، وقريباً سيكون عندنا علاقات اقتصادية مهمة جداً، من النوع الذي يلائم أسواقنا وخططنا التنموية والاستثمارية، ومن النوع الذي يحفظ علاقاتنا الإنسانية التاريخية مع الشعوب السوفييتية.

ولابد أن بعض أصحاب مكاتب التشغيل واستقدام الخدامات عندنا الذين أغرقوا البلد بالفلبينيات والهنديات والسريلانكيات، سيضربون جباههم حسرة وألماً، حين يقرأون هذا الكلام إذ كيف يمكن لمثل هذه الفكرة أن تفوتهم ويسبقهم إليها الأردنيون؟

ولو صار، وقامت هذه المكاتب بتحويل نشاطها إلى الجمهوريات السوفييتية، مثل الشركة الأردنية إياها، فإن اقتصاد الفلبين وسريلانكا سيكون على كف عفريت، إذ سيبور سوق الخدامات من مثل هذه البلدان، حيث لن يبقى مواطن أو مقيم عندنا لا يتمنى كل منهما أن تكون في بيته خدامة بيضاء شقراء بخمسين دولاراً، ولحين أن يتم ذلك، ننضح بكتمان هذا الخبر، حتى لا تسمع به خداماتكم الفلبينيات والسريلانكيات، فتجدون أنفسكم أمام عصيان مطبخي ومظاهرات احتجاج في الشوارع بالمكانس والملاليس والمصاصات والبامبرز. ثم إننا جميعاً سنؤيد بلا تردد الاقتراح المطروح هذه الأيام بأن يكون الخميس إجازة، ذلك لأن يوم الجمعة كما هو معروف للعائلة والأولاد، أما يوم الخميس فسنخصصه للخدامات الجديدات، الحلوات، هذا إذا لم نجد معارضة قوية من حكومات الظل في بيوتنا.

وشر البلية ما يضحك.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()