عبد الحميد أحمد

الكيف حكم

كان بودي أن أكتب اليوم عن بطرس غالي وأن أشارك بالطبل والعود والمرواس وأن أزين هذه الزاوية بالشرائط الملونة والمزركشة مثل سيارات الأعراس وأكتب على جوانبها «مبروك يا غالي يا كايد العذالي» مشاركاً الأمة أفراحها ليس تهنئة لأول عربي يحتل منصب الأمين العام للأمم المتحدة فحسب، بل نكاية في أعدائنا وعلى رأسهم إسرائيل التي تقول عنا دائماً إننا برابرة وليس فينا متعلمون ولا متحضرون.

إلا أن قارئاً عزيزاً احتج أمس على الزج بالكتب والكتاب في الحديث عن المخدرات التي ضبطتها شرطة الشارقة ومصدر احتجاجه أنه لم ير أية علاقة فيما بينهما.

وبما أن قارئاً واحداً لم يكتشف العلاقة فيما بين الكتاب والمخدرات فإن ذلك قد يعني أن آخرين ربما يشاركونه الرأي لذا وجدت من المناسب أن أترك الأمة تفرح لبطرس غالي الثاني، وأحاول شرح العلاقة وأوجه الشبه فيما بين الكتاب والمخدرات خاصة إذا كانت بالأطنان من النوع الذي تم ضبطه مؤخراً، مما يعني على حسب مفاهيم الغرز ومصطلحات الحشاشين أن المهربين كانوا يسعون لتحقيق شعار «طربة لكل مواطن» فيما معرض الكتاب كان يسعى لشعار «كتاب لكل مواطن» والفرق بينهما واضح ولا يحتاج لتعليق.

وأول أوجه الشبه بين الكتاب والمخدرات، أن الاثنين يتعلقان بالدماغ ويتوجهان له، الأول يمخمخ عليه القارئ وينبسط منه إذا كان كتاباً جيداً و«ينمسك» في تلافيف عقله ولا ينساه، والثاني ينشكح له المتعاطي وينحبس في نافوخه، ويقول عنه: يا سلام ما أحلى هذه الأفكار، إذا كان الصنف جيداً.

وبما أن المخدر يخرب الدماغ فإن هناك من الكتب ما يخرب العقول أيضاً، إضافة إلى أن الاثنين في رأي الستات الحلوين أمهات العيال وربات البيوت يخربان الجيوب ويهلكان المال ومصروف الأولاد وينافسان الحريم على أوقات الزوج.

وإذا كان لكل كتاب عنوان يعرف منه، فإن لكل صنف ونوع عنوان أيضاً، فهناك «أنت عمري» و«المزاج الكامل» و«الليل الهادي» و«يا مسهرني» و«رضاك يا رب» و«حسيبك للزمن».. الخ، إضافة إلى أن الاثنين يشتركان في الغلاف، وكل كتاب وصنف يجذب الزبون من غلافه الجميل، ونضيف إلى ذلك اشتراكهما معاً في ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش هذه الأيام.

ثم إن الكتاب يقرأه البعض فيصدقونه، وهناك من قرأ فلسفة نيتشة على سبيل المثال ثم صدق نفسه وتصور أنه نيتشه زمانه، فراح «يتفلفس» على خلق الله، كما أن صاحب الكيف يصدق نفسه بعد جوزتين أو ثلاث حتى أن أحدهم في النكتة التي تعرفونها زعم أنه رئيس دولة، فرد عليه أصحابه ضاحكين: «ياه من أول نفس»!

كما أنكم تعرفون أن الكتاب عند بعض الدول مثل المخدرات، تخشاه الحكومات وتحاربه وتصادره وتحرقه أيضاً بعد إلقاء القبض عليه، والاثنان يخضعان للمصادرة والرقابة المشددة على الحدود وفي الجمارك فيضطر أصحابهما إلى تهريبهما.

وبإمكاننا أن نعدد مليون شبه بين الكتاب والمخدرات، وإذا كان كلامنا السابق لم يقنع أحداً، على اعتبار أنه دعابة وهذر وضحك، فإن من الجد أن نقول إنه إذا كانت المخدرات تخلق نماذج مسطحة ومشوهة من البشر من نوع الممثلة شوشو كاوتش والراقصة عريضة مجانص والمطربة زيزي رامبو فإن الكتاب يبني الإنسان المثقف الواعي المتحضر من نوع بطرس غالي، الذي كان من المفترض أن نتحدث عنه اليوم، لولا أن الكيف حكم.

وعليه فإننا نكرر ما قلناه أمس من ضرورة محاربة الحشيش والمخدرات بلا هوادة وتشجيع ونشر الثقافة والعلم بلا حدود تحت شعار «الوعي لكل مواطن».
من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.