عبد الحميد أحمد

هيك مفاوضات بدها هيك حكي

طبعاً الجولة الأولى من المفاوضات الثنائية في واشنطن راوحت مكانها، وأصابها ما يشبه الجمود، لأن الوفد الإسرائيلي أصر على الحديث عن زنود الست والبرازق مع الوفد السوري، وعن المازات وعلى رأسها التبولة مع الوفد اللبناني، وكان ينوي الحديث عن المجدرة والمقلوبة والمنسف مع الوفد الأردني الفلسطيني، لولا أنه رفض التحدث مع الفلسطينيين منفردين، فلم يحدث أي كلام بينهما لا عن مجدرة ولا غيرها لحين فض هذا الخلاف. ويرى شامير الذي لا يزال يكرر أن على العرب ألا يحلموا بالحصول على الأرض والسلام معاً، وأنه لا يريد أن يخيب ظنهم، أن الحصول على هذه الأسرار النووية الاستراتيجية العربية وخفايا عناصرها وتركيباتها الكيماوية والعضوية، من نوع المنسف والمقلوبة وزنود الست أهم نقطة على جدول أعمال المفاوضات على اعتبار أن هذه أهم أسلحتنا البالستية والتكتيكية للمستقبل، على عكس الوفود العربية التي ترى أنها ذهبت لواشنطن لبحث القضايا الجوهرية. أما عن الوفد الفلسطيني المستقل الذي ترفض إسرائيل التحدث معه مباشرة. فقد سبق أن تفاءل بعضنا حين تشكل هذا الوفد من شخصيات الداخل على حسب المقاس الإسرائيلي، وبعضنا الآخر ازداد فرحاً، لأن المفاوض الفلسطيني لم يعد يضم أصحاب الأبوات، كأبو الغضب وأبو الليل وأبو الوحش وأبو الزعيم، وهم الذين تعترض عليهم إسرائيل، يعترض عليهم كذلك كثير من الفلسطينيين، على اعتبار أنهم لسنوات كانوا نكبة للقضية، ورأوا ورأينا أن في الوجوه الجديدة الساطعة من أصحاب الشهادات والدكاترة ذوي التفكير السليم والمنطقي والعقلاني بوادر خير، يمكن أن يتحقق على أيديهم ما لم يتحقق على أيدي الأبوات والأمهات.

غير أن إسرائيل هي إسرائيل، والفلسطيني عندهم هو الفلسطيني، سواء كان يرتدي غترة وعقالاً أم بدلة وكرافتة وبرنيطة أيضاً، ذلك لأن ما يهمها هو الجمع بين السلام والأرض معاً، ولمواجهة هذا الموقف الإسرائيلي المتعنت دوماً فقد قرأت مرة اقتراحاً نشره مواطن فلسطيني مقيم في الشتات في إحدى الصحف العربية وسماه اقتراحاً حضارياً لحل المشكلة الفلسطينية، وطبعاً رفض نشر اسمه لأنه يعرف أن الديمقراطية عندهم لها أنياب ومخالب وأسنان، على عكس الديمقراطية في الغرب.

المواطن الفلسطيني يقترح بدل المطالبة بدولة فلسطينية مستقلة والمساواة بشعوب الأرض في حق تقرير المصير، المطالبة بالمساواة بمخلوقات الأرض، وبإقامة محمية طبيعية آمنة يتكاثر فيها الجنس الفلسطيني بأمان وسلام.

ويرى أن المنظمات الإنسانية ومنظمات البيئة وكافة حركات حماية الطبيعة وجمعياتها، خاصة في الغرب، ستتعاطف مع مثل هذا الاقتراح، لأن الشعوب الغربية تتعاطف مع جنس حيوان مهدد بسوء المعاملة أكثر مما تتعاطف مع جنس بشري مهدد بالإبادة، ويرى أيضاً أن في الواقع الاجتماعي الفلسطيني ما يبرر هذا الاقتراح الحضاري ويدعمه، فمن جنس الطيور يقول إن لديهم الصوص وحبش وعصفور وأبو حجلة وأبو قويك والحمامي ومن جنس الحشرات لديهم البرغوثي وأبو النمل، ومن جنس الكائنات البحرية لديهم الحوت والعريس، أما من الأجناس البرية فلديهم الجمل وأبو غزالة وأبو عجلة وغنيم والكبش ومعلوف وذيب وذياب وسرحان وأبو حصين، ويرى أن كافة هذه الأجناس مسالمة وغير مفترسة، ويمكن القبول بحمايتها. ولم نكن لننقل مثل هذا الكلام لولا أنه من فلسطيني لا يرى أملاً في السلام مع إسرائيل، حتى لو تنازلنا عن أسمائنا وهوياتنا وألقابنا وسلاحنا وكل ما نملك، ومعه في الرأي كثيرون ولا شك، فالتعنت الإسرائيلي يزداد في كل مرحلة ومراوغات المفاوضين اليهود لا حد لها. وغداً ربما تطلب إسرائيل أولاً الاتفاق على المصطلحات الفنية والسياسية وضبطها قبل أي حديث، وسيكون على الوفود السورية واللبنانية والأردنية والفلسطينية أن تتفق مع الإسرائيليين على معاني كلمات على دلعونا ويا دلي ويا شحاري وإلا فلا سلام ولا كلام.

وهيك مفاوضات بدها هيك حكي وأكثر.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.