8412

الطائر الغمري

اتشحت السماء بالغرابة، وشعر بأن الأرض تتوجع تحت الأقدام. خفق قلبه بالألم، إذ مشى مع الرجال عائداً إلى البيوت. رائحة التراب تفعم أنفه وتترع فؤاده بعذاب. في رأسه ضجيج يصطخب، لا بكاء، لحظة الإنزال. الفاتحة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين… يا للساعة! تطلّع إلى الوجوه، سمراء صارمة، لم يكن ثمة حزن يختلج، لم يكن ثمة طيف لحزن، ارتعاشة جفن أو رعشة ندم. الصمت وحده كان سائداً، كان مدهشاً؛ إذ لوّن السماء والأرض والوجوه. لم يكن ثمة شيء إلا الدهشة التي سرعان ما اضمحلت وتلاشت إلى الأبد بسرعة عجيبة. مات، كيف مات؟ مات صغيراً. التراب. الحفرة تنشق مثل جرح بارد، تفتح فمها: أين الجثة؟ لحظة الإنزال رأى السماء تتشح بالغرابة. الأرض أرض والسماء سماء. انفتحت الأرض، صارت جرحاً أبيض، ضمت الجسد الأسمر الناحل دون خوف، زغرد الجرح بنشوة جنون، ثملان بالضحك المخبول. الغبار غشي الجو، قال حمدان بن كنتوت:

– مات صغيراً.

– رحمه الله

قال سالم بن يديدة وقد نزلت الجثة إلى الحفرة:

– حشا. هذه ليست جثة بني آدم. عظام.

قال له وهما سائران ناحية البحر، والرمل تحت أقدامهما بدأ يدفأ:

– هل ستطلع الليلة يا (غريب)؟

أخذ (غريب) نفساً، وأجاب:

سأطلع، ليس من رزق سوى في هذا.

أشار إلى البحر بيد ترتجف فيما كانت عيناه تلتمعان. قال يسأله:

– هل سمعت شيئاً عن أهلك؟

– كلا.

ساد وجوم. وضع قطعة قماش فوق فمه، استنشق بعمق، بعمق شديد حتى اغرورقت عيناه. كانت الشمس قد أوشكت أن تسقط خلف الأمواج أمامهما.

أصاخ للحديث البارد بتوجس. قال سالم بن يديدة:

– البترول.. ذبحه البترول.

قال راشد العود بعد أن تنحنح:

– لم يترك له صحة، أسقمه حتى ذبل كالزهرة.

قال حمدان بن كنتوت، وقد أخذت الرطوبة تستفحل:

– ضيّع شبابه، مسكين.

الجثة، الجثة، تمناها لحظة الإنزال أن تصرخ، تعربد برعشات الحنق والغضب، تبصق في الوجوه. ظلت صامتة كالقبر، ثم استسلمت لانثيال الرمال فوقها، إذ لمست قاع الحفرة.

تحت ظل خيمتهم، إذ كانا صبيين قال له (غريب):

– أبي يريد الرحيل إلى (البريمي) وقد أرادني أن أرحل معهم.

– ولماذا لا؟

– ماذا أصنع هناك، هنا ولدت، هنا أعرفك، أعرف حمدون وجمعة وخماس وسلوم ورشود.

– أتستطيع العيش دون أهلك؟

ران عليه شبح خوف.. قال وجلاً:

– الله كريم.. سأشتغل.

قال له أبوه بعد أن سعل كثيراً وبصق كثيراً واحتقنت عيناه:

– الدنيا تتغير يا وليدي، لم يعد لنا مكان هنا، ولعل حالنا تكون أحسن هناك.

ظل (غريب) واجماً كطائر فقد جناحيه.

– يوم البحر اشتغلنا بالبحر، اليوم كسد كل شيء وحالنا يا وليدي (ما يسوى).

واصل أبوه وقد لاحت على وجهه غيمة رمادية:

– الناس تبني بيوتاً من الأسمنت، ونحن…

صمت، صمت الاثنان. انطلقت عينا (غريب) تجوبان الحارة طولاً وعرضاً، رأسياً وأفقياً. رأى خياماً كثيرة تنتشر هنا وهناك. أغمض عينيه، فجأة، كالبرق الخاطف، كلمح البصر، اختفت. ظلت خيمتهم وحيدة ناتئة بين الأبنية كالجمل الأجرب. غادروا جميعهم وظل وحيداً كالخيمة.

قال له:

– لا تترك المدرسة. المدرسة تفيدك.

أجاب (غريب) دون أن يفكر:

– أريد أن أعيش.

انطلق في الحارة حياً دافقاً بدشداشته المرقعة ورأسه الحاسر يحمل شعراً أشعث مليئاً بالصئبان، بوجهه الهادئ ذي النظرات الكسيرة والأسنان اللامعة ذات الفرجة الوسطية. كان شيئاً يشبه الشيطان، هكذا قالت أم عبدالله إذ حدثت جارتها عفراء ذات عصر:

– ليس آدمياً، لم يترك شيئاً لم يعمله.

قالت عفراء وقد رفعت جانب (برقعها) لتسكب القهوة في الجانب الأيمن من فمها:

– إبليس، سيخرب أولادنا.

قالت أم عبدالله بعد أن استعاذت بالله من شر الشياطين:

– أمس رآه أبو عبدالله لما كان عائداً من صلاة العشاء..

ثم بعد تردد، استطردت:

– رآه مع أحدهم في عتمة السكة.

قال أبو عبدالله يحدث الجيران في مجلسه العامر بروائح «العود» والقهوة:

– لم أر شيئاً، كان الظلام دامساً، سمعت أصواتاً مثل الهمهمة، حشرجات، تنهيدات، عواء كلب ذبيح.

قال أحمد المستريح وقد بدا مستريحاً في جلسته الليلية:

– يتراكبون، هذا بلاء جديد.

أضافت أم عبدالله في العصر ذاته:

– حين اقترب منهما أبو عبدالله هربا في الظلام، لكنه شم رائحة بترول فاقعة.

أضافت عفراء بعد أن حمدت الله على نعمه:

– عجائب هذا الزمان كثيرة، النعمة جاءتنا ومعها أشياء ما خبرناها من قبل.

ليس في الجو إلا الغبار المليء بالرطوبة، وطعم الملوحة في الأفواه يزداد. السماء ظلت غريبة تغشاها كآبة، والوجوه ظلت هادئة. قال أحدهم وكان صغيراً:

– كم كان عمره يا أبي؟

أجاب أبوه بعد أن مسح العرق عن وجهه بغترته:

– لا أدري.. أظنه يزيد على العشرين..

انبرى حمدان بن كنتوت قائلاً بلهجة الخبير:

– لا يتجاوز العشرين.. ألا تذكر يوم ولدته أمه صبوح وهي عائدة من (الحليو)؟

أضاف راشد العود وكان قد عطس لتوّه فتناثر الرذاذ في الهواء:

– هيه نعم، الحريم يقلن إنها شعرت بالألم فجأة وهي فوق ظهر الحمار، فأنزلته بدمائه فوق التراب ابن سبعة أشهر.

قال أكبرهم سناً بصوت فيه وهن وحشرجة:

– بني آدم.. من التراب إلى التراب.

أضاف حمدان بن كنتوت:

– قدرة ربك. ولد ناقصاً ومات ناقصاً.

انبجست دموع في عينيه، إذ تذكّر (غريب) جيداً، وكان قد نسيه لسنوات لا يدري كيف مرت، لكنها بالتأكيد مرت سريعاً كالهواء.

أغبشت نظراته، وقتامة الموت أخذت تعربد أمام عينيه، وإذ شاعت في الفضاء الفسيح أحسها كحيوان خرافي ينشر جناحيه العملاقين فوق الأرض، ويملأ رئتيه سواداً وحين كانت الشمس قد توسطت السماء أدرك أنها ترسل بسمة هازئة، ساخرة حتى المرارة. حدق في الوجه الميت، كان وجهاً حبيباً ومضى. في الحارة بعيداً عن الخيام كانوا يلعبون، وفي البحر، ذات يوم، كانوا يسبحون، فجأة غرق (الحوب) الأخ الأصغر (لغريب). تسلل في غفلة إلى (الحد). كانت (الغالة) قليلة الماء وحين انتصف النهار امتلأت، كانوا يتراشقون بالماء وهم يلعبون (الصخامة) وقد نسوا الحوب الذي لم يتعلم السباحة بعد. حين هموا بالعودة إلى البيوت رأوا جثته طافية فوق مياه (الغالة) وقد تشربت بالماء فانتفخت مثل القربة. صرخ (غريب) مذعوراً، بكى لأول مرة، سحبه إلى الشاطئ، احتضنه فيما استمر صراخه مدوياً بالهول. حدق في الوجه الميت، كان وجهاً حبيباً، أيام الشقاء وشقاوة الأطفال. حين مرت عربة بائع (الكيك) الهندي غافله مع (غريب) وسرقا كمية من (الكيك) وغابا راكضين خلف النخيل. حدق في الوجه الميت قبيل الإنزال. الجفنان متورمان والعظام ناتئة. كان وجهاً حبيباً. تسلقا ذات مغرب جدار المدرسة الوحيدة، كسرا باب المخزن وسرقا كمية من الكور والدفاتر والطباشير وأقلام الرصاص، في اليوم الثاني كان المعلم مصطفى يضربهما فلقة أمام التلاميذ. حدق في الوجه الميت، رآه يبتسم، ذات الابتسامة الرائقة كالقمر في ليل الصيف. ذات يوم من الأيام الراكضة إلى الوراء، تسللا إلى الصحراء، لفحتهما الشمس وأحرقت أقدامهما الحافية رمضاء الظهيرة، كان (مريش) البيدار نائماً، دخلا الخيمة على أطراف أصابعهما وسرقا (المدواخ) وتحت ظل النخلة جلسا يحشوانه بالتبغ العماني ويدخنان حتى السعال. الوجه الميت، في طفولته كان دافقاً حياً مثل الموج، ليس كمثله شيء في الشقاوة. نساء الحارة اشتكين منه مراراً والرجال كثيراً ما عاقبوه بالضرب نيابة عن أبيه. الوجه الميت.. الميت.. الميت… كان حياً يظهر في كل مكان مثل نسيم البحر، نسيم البر، يشاغب، يتشيطن، ويظل محبوباً من الجميع رغم ذلك.

البيوت أخذت في الاقتراب، لمح مجموعة من الصغار يلعبون فوق دراجاتهم الهوائية ذات الألوان الزخرفية. حين كان يلعب مع (غريب) وحمدون وجمعة وخماس وسلوم، وحين يتأخر في العودة إلى البيت مساء يضربه أبوه بالسوط حتى يدمي ظهره.

قال له:

– أبي يضربني كلما تأخرت.

ضحك (غريب)، هرش شعره الكث، قال برنة حزن:

–    أما أنا فلا أحد يسأل عني.

قال أحدهم وكان أكبرهم سناً فيما هم يستحثون الخطى هرباً من الحرارة التي أخذت تشتد:

– البلاء جاءنا من كل مكان.. كنا نركب الحمير واليوم جاءتنا حمير لا تمشي إلا بالبترول.

قال سالم بين يديدة:

– السيارة أحسن، والبترول ليس للشم.

أما حمدان بن كنتوت، فاكتفى قائلاً، وهو يلوح بيده في الهواء:

– زمان ولّى وراح، ومن يعش أكثر ير أكثر.

مسمار بدأ ينغرس في جوفه المتلاطم بضوضاء الأرض وصخب البحر وقشعريرة الموت وهتاف الذكريات، لكنه ظل صامتاً يستمع إلى حديثهم، قال راشد العود:

–    في البدء لم يكن إلا البحر. اليوم ترون المدارس و(المواتر) و(الدخاتر) والعمارات. الحمد لله.

قال آخر ظل صامتاً طوال الوقت:

– أولادنا تعلموا، فيهم الطيار و(الدختر) والموظف..

قال أكبرهم سناً وقد بدأ يلهث من الحرارة فتهدج صوته:

– وغيرهم ما تعلموا، كانوا يريدون البقاء بأي ثمن.

ثم بعد أن صمت هنيهة واصل:

– أكلهم الدهر

قال سالم بن يديدة معقباً:

– ليس بشم البترول!

قال مبارك يحدث ابنه، وكان قد عاد لتوه من البحر مبتل الإزار تفوح منه رائحة سمك طازج:

– المدرسة تركتها ولم تتعلم صنعة تفيدك، الناس دائماً يشتكون منك، متى ستعقل؟

– أولادهم في المدرسة يشترون (نخي) وحلاوة وأنا…

ثم قال:

– لن أذهب إلى المدرسة بعد اليوم، لن أذهب.

أجاب مبارك وقد غطت وجهه سحابة حزن داكنة:

– هذي حالنا. الأول كلنا كنا واحد، الآن الدنيا تبدلت، ناس سوت سيارات وبنايات، وناس…

ثم بعد أن أطلق آهة في الهواء:

– هذا حظنا من الدنيا.

أجاب (غريب) بإصرار وقد أخذ عوده يشتد:

– سأدخل البحر.. سأذهب مع علي بن سيف إلى السمك..

في ليلة لا قمر فيها، تسللا مثل لصين تحت رداء الظلمة. فتح (غريب) خزان سيارة جيب. أدخل قطعة قماش وحين أخرجها كانت تقطر حتى الثمالة، عصرها، امتلأ الهواء بفوح البترول، قدمها له:

–    خذ… شم.

تناولها (تشممها) بحذر، رماها بعيداً وهو يصرخ:

– أعوذ بالله، هذا سم، كيف تطيقه يا (غريب)؟

انقض عليها غريب. قربها من فتحة فمه، استنشق منها عميقاً، وكانت نسمات الليل تهب عليهما رطبة.

سأله دهشاً:

– لماذا تستنشق البترول.. سيقتلك.

لكن (غريب) ترنح بعد نشقات عدة وسقط مغشياً عليه.

– لا حول ولا قوة إلا بالله

– كل نفسٍ ذائقة الموت.

رددوا ذلك وهم يفترقون حين وصلوا إلى البيوت. رنا إليها بعينين عاتبتين. رآها تقوم كأشباح الظهيرة. أسرع الخطى إلى البيت وفي رأسه المقابر التي انزوت في عمق الصحراء الساخنة. دفنوه وعادوا جميعاً.

سأله:

– لماذا لا تذهب إلى أهلك؟

لم يسمع جواباً من (غريب) الذي بدأ يفقد وعيه وقد احمرّت عيناه، وجحظتا كعيني سمكة ميتة.

– أتبقى وحيداً دون أهل؟

واصل الاستنشاق دون رحمة.

– ألا تقتلك الوحدة؟

امتلأت عيناه بالدم فصارتا جمرتين متقدتين، ارتعش جسده رعشات عنيفة، وغام وجهه خلف ضباب أخذ يتكاثف على مر السنين القليلة السريعة، تلاشى في الضباب مثل طائر ظل يرف بجناحيه معلقاً في الهواء، باحثاً عن شجرة حتى أصابه الكلل فسقط صريعاً فوق التراب، والدم الفوار ينز من فمه.

حين كان صاحياً في وعيه كرر عليه الأسئلة، قال (غريب):

– لا أدري.. لا أعرف شيئاً، كل شيء قد حدث.

وسأله:

– متى تسافر لتكمل تعليمك؟ أقريباً، كما سمعت؟

ذلك كان آخر عهده بــ (غريب)، وبعدها مضى الزمان يمتطي حصاناً في حلبة السباق، مضى كالطاحونة الهوجاء.

– كيف مات (غريب)؟

سأل أمه، فجأة تسامع الناس في الحارة أنه مات صباح اليوم، وتناقلوا الأخبار التي انتشرت كالنار في الهشيم تاركة هسهسة في الجو الصامت.

أجابت أمه مغمغمة:

– لا أدري، يقولون إنه طلع البحر البارحة في الليل مع علي بن سيف.

– مات في البحر؟

اندلق السؤال على شفتيه لزجاً كثيفاً.

قالت أمه:

– أتوا به في الصباح ميتاً. هكذا قال أبوك.

قالت خالته في رثاء:

– يا لوعة كبد أمه حين تعلم.. مسكينة (صبوح).. كانت تأتي لنا بالماء من (الحليو).

عادت أمه تقول بأسى:

– مسكين، مثل الطير الغمري، لا أحد يعرف كيف ابتلي.

قبيل أن يسافر للدراسة كانت صداقته لـ (غريب) قد ضعفت، (غريب) ليس إلا شيطاناً محبوباً، مخلوقاً مجهول الأثر كأنه الغموض، أتى وراح، كمن لم يأت، كمن لم يذهب، ليس إلا النسيم المتواجد في كل الأمكنة والزوايا والأزقة. يعرفه الجميع وينساه الجميع في الحارة، لسوء خلقه، لطيبته، لمشاغباته التي لا تنتهي، لشمه البترول. كان يجلس أمام دكان (الكراشي) مع الجميع هادئاً، في يده (الجنة) التي لا يذكر أحد أنه رآه من دونها بعد دخول الثلاجات والمكيفات والتلفزيونات والسيارات، بعد أن ولت سنوات الجفاف والبحر والفقر، بعد أن اشتدت سنوات الجفاف والفقر، كانت تسبقه رائحته حيثما حل لتنبئ عن وجوده، كانت تصل قبله لتخبر عن قدومه، رائحة البترول، (رائحة) غريب. لم يكن بالنسبة لآخرين سوى طائر حائر مشرد النظرات، يحط بينهم ثم يطير. قال له يسأله قبيل أن يسافر للدراسة:

– كيف أدمنت البترول؟

لمعت عينا (غريب) ببريق خاطف، حكّ رأسه، غاص في صمت كثيف اللون والرائحة، حاول أن يتذكر.. يتذكر.. يتذكر.. يتذكر ماذا؟

فجأة سأل محمداً:

– هل تدري أنت كيف جاءت السيارة إلى الحارة؟

رفع (الجنة) إلى فمه من جديد وسحب منها شهيقاً ملأ صدره ونفخ رأسه باللذة الموجعة، ثم انطلق بجسده الضامر كالعصا في الحارة وتلاشى.. إلى الأبد، حيث استقبلته الحفرة فاتحة لجسده فماً يشبه الجرح الأبيض.

فاحت رائحة السمك والبحر في ثياب علي بن سيف، وقال مجيباً:

– يا ولدي، الأمر جرى كما لو كان حلماً.

وعاد محمد يسأله:

– هل استنشق ليلتها؟

قال علي بن سيف والرذاذ يتطاير من فمه:

– حين خرج معي البارحة كانت (الجنة) معه، ولكني لست متأكداً أنه استنشق أم لا، ثيابه كانت تفوح بترولاً حين حملت جثته هذا الصباح.

استطرد علي بن سيف:

– كان نشيطاً كعادته، وقبيل الفجر كان يجلس على (الفنة) هادئاً كهدوء البحر، كان صامتاً وفجأة قال لي:

– انظر..

وأشار بيده المرتعشة بعيداً إلى الماء.

نظرت فلم أر شيئاً، لم يكن هناك إلا البحر الممتد كالصحراء، كرر مرة أخرى:

– انظر .. أترى ما أراه؟

قلت دهشاً: لا أرى شيئاً.. الموج فقط.

قال وقد ازداد هدوءاً حتى اعتقدت أنه غير موجود:

– إني أراه.. أراه قادماً. انظر. انظر إلى ثيابه البيضاء، صرخت فيه وقد عرفت أنه محموم يهذي:

– (غريب)!

لكنه مضى يقول وكان وجهه صافياً صفاء الفجر المنبلج ورقته:

– ما أجمل ثيابه البيضاء.. انظر. ها هو قادم فوق الماء في البعيد.. البعيد.. إنه يقترب، يفتح ذراعيه الواسعتين.

– تراءى لي، يا ولدي، أنه يرى شبحاً، خيالاً، شيئاً ما.

اقتربت منه كي أهدئ روعه، ولكن.. الله يغفر له ويرحمه.

– الله يغفر له ويرحمه، ولكن ماذا جرى بعد ذلك؟

– فجأة سقط في قاع القارب، تلمسته، كان قد مات.

تناقل الناس الخبر عن موته من علي بن سيف في ما يشبه الأسطورة، قال الشباب إنه مات متسمماً بالبترول، وقال الكبار في السن بعد ذلك في مجالسهم، سالم بن يديدة وحمدان بن كنتوت وراشد العود وعلي بن سيف وآخرون إن البترول مزق كبده، فقد سهر تلك الليلة وهو فوق ظهر القارب قرب الخزان حتى استنشقه كله ولفحه البرد فمات، وقال آخرون، بل إنه شرب الخزان كي يقتل نفسه، لكن علي بن سيف عاد وأكد أنه حين رجع كان الخزان لا يزال مليئاً إلى منتصفه، وأنه سمع (غريب) يغني فوق (الفنة) في الليل الحالك:

يا ساهر الليل مثلي ما تنام    ذكرتني بالأحبة يا حمام

وأضاف أنه بعد الأغنية سمعه يبكي بصوت كتيم وجعل ينشج بمرارة كالأطفال. وقالت العجائز إن الموت حق، وإن (غريب) كان صالحاً وطيباً رغم شروره وآثامه إلا أنه كان طفلاً، لذا رحمه الله، إذ قدر له أن يرى ملاك الموت مقبلاً نحوه، ولعله كان ملاك الرحمة، كما قالت أم سنّاد، وأضافت أنه رغم شروره إلا أنه لم يزكم أنوف الناس في الحارة، كما فعل غيره، واستشهدت بحادثة سعيد بن أحمد المستريح ابن أكبر تاجر في الحارة، إذ ضبط مرة يباضع دابة فظلت سيرته على كل لسان حتى الآن، وختمت أم سنّاد قولها: إن (غريب) كان (خفيفاً على الكبد) وإنه ليس إلا مثل الطير الذي يحط في ظل شجرة البيت، ليلتقط الحب ثم يرجع ويطير.

وقالت أم محمد بعد ذلك بفترة قصيرة:

– ناس تكمل وناس تسقط.. هذي هي الدنيا.

ثم أضافت محدثة جارتها:

– سبحان الله العلي القدير، ما حملته الأرض فهرب يريد الموت في البحر.

أجابت جارتها:

– لكنهم دفنوه في التراب رغماً عنه.

حين غادر محمد بيت علي بن سيف بعد أن سمع قصة الموت المفاجئة لـ (غريب) تساءل كثيراً عن السبب وراء موته صغيراً. كانت أضواء الشوارع مضاءة والسيارات تمرق بسرعة كالسهام، وأدرك للحظة أن الأمور تطورت كثيراً ومرت بسرعة غير معتادة، وأن الحياة من حولهم في غضون سنوات قليلة تدفقت مثل شلال مشحون بالجنون لم يترك فرصة لـ (غريب) كي يلتقط أنفاسه فأغرقه حتى الموت. وقبل أن ينسدل الستار تذكّر الوجه الميت الذي دفن بعد صلاة ظهر هذا اليوم فرآه يبتسم له في بلاهة، ذات الابتسامة القمراء في الوجه الحائر للطير، الذي واجه الأيام وحيداً دون فهم أو معرفة، ورأى الجسد الناحل ينزل دون صراخ، ويتوارى تحت التراب الغزير في الصحراء. وكما تناقل الناس من قبل في (الجميرة) قصة مقتل (مريش البيدار) البشعة، إذ وجدوا جثته متعفنة تخرج منها الديدان بعد أن طعن نفسه طعنات قاتلة، تناقلوا هذه المرة ولفترة قصيرة قصة الموت المفاجئة لـ (غريب) الذي مات بعد (مريش) بسنتين، إذ سرعان ما تضاءلت الدهشة فوق الوجوه وتقلص الحديث عن (غريب) بسرعة البرق نفسها التي تطورت بها الأمور حتى ادلهمّ الصمت من حوله وساده السكون في رقدته الصحراوية وتلاشى تماماً من ذاكرة البلاد والعباد والعياذ بالله. وفيما أخذ سيف بن خلف يحدث الشباب من حوله عن العالم الذي يسودهم ويعيشون فيه ببلاهة، بعد ذلك بأشهر طويلة صار يردد على مسامعهم:

– كأن ريحاً صرصراً مرت على الناس فاقتلعت الرؤوس ولم تبق إلا البطون، يا جماعة هذه ليست بأحوال، أعوذ بالله من كل شيطان رجيم.

1983م

()