نبذة عبد الحميد أحمد

النظام العالمي خرج ولم يعد

تغيب عن العمل منذ شهور المدعو النظام العالمي الجديد، فقد خرج من مقر الأمم المتحدة بنيويورك ولم يعد.

مواصفاته: لا طعم له ولا لون ولا رائحة، عمره أقل من عامين، يرتدي كافة القضايا البشرية والإنسانية، يعمل في كل مكان على الكرة الأرضية، فعلى من يعثر عليه أو يجد له مكاناً سرعة الاتصال بأقرب مركز شرطة في واشنطن، أو الإبلاغ عنه لأقرب سفارة أمريكية في الخارج، أو الاتصال الفوري بوكيل أعماله الدكتور بطرس غالي.

غير أن سكان الأرض جميعاً، لو بحثوا عنه في كل شارع وزاوية، وتحت كل كرسي أو سرير أو حصاة، أو خلف أي ستارة أو جبل، أو في أي مستشفى أو مصحة عقلية، لما عثروا له على أثر، فالفقيد المفقود المأسوف على شبابه مات قبل أن يرى النور أو تتكحل عيونه بضياء الشمس.

ولم يعد غريباً الآن ألا نسمع أي كلام عن هذا النظام، الذي ارتدى طاقية الإخفاء، ولا أي تنظير ولا رغي ولو من باب طق الحنك، كما كان الحال سابقاً، من عام أو نحو عام، حيث كنا نسمع أحاديث لا تنتهي عن هذا النظام الذي يحمل لنا في جيوبه الشوكولاتة والحليب والسلام والحب والفاكهة والفستق.

فما كان العزيز جوربي يخطب، ولا بوش يدلي ببيان ولو عن القطط، إلا وكانا يهذيان به، ثم طار الاثنان، ولم نعد نسمع عن نظامهما أي كلام.

وصدق الجميع النظام العالمي الجديد، فكنا ننام على دولة اشتراكية، فنصحو وقد غيرت خط سيرها إلى الرأسمالية، لكي لا يفوتها قطار هذا النظام، ونفطر في الصباح على دولة تملك كل شيء في أرضها، المصانع والمزارع والبشر، فلما يأتي موعد العشاء تكون قد أعلنت بيع كل شيء، حتى يكون لها مقعد في إحدى عربات النظام الجديد، ونسمع عصراً بياناً حزبياً يندد بالقمع والممارسات الوحشية وغياب العدالة وانتهاك حقوق الإنسان في جمهورية دیکتاتورستان الشعبية الديمقراطية الحرة، فلا يجيء عصر آخر، إلا يكون الحزب طار وطارت رؤوس قادته، فيما جمهورية دیکتاتورستان تعلن تأييدها للنظام العالمي الجديد، وقادته الجدد وانضمامها إلى مسيرته.

وخسر الجميع، وكل من صدق، وذهب جوربي وبوش في الباي باي، وبقي صدام حسين وإسحاق رابين، وجاء كلينتون فانشغل بقصة شعره وبنجوم هوليوود وقطة تشيلسي، وجاء میجور فانشغل بالإسترليني وبلامونت، وجاء يلتسين ليتفرغ لحسب الله وفرقته وليوصي حفيده بعدم صرف نقود غسيل السيارات على هامبورجر ماكدونالد، ثم جاء الصرب فنسفوا النظام العالمي وضربوه على أم رأسه، ورؤوس البوسنيين والأمم المتحدة.

غير أن العرب يبقون الخاسر الأكبر، فركبوا طيارة السلام حتى من غير شد الأحزمة، أو وقف التدخين ولا بلع حبة الدوخة والغثيان، وحصلت إسرائيل على ما يشبه الاعتراف ولم يحصلوا منها على حصاة من أرضهم، وجاء القذافي متأخراً كعادته، ليلحق بالركب، فأراد أن يكحلها عماها.

ويقال إن الدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة التقى صدفة بالنظام العالمي الجديد في أحد شوارع نيويورك البائسة، وكان رث الثياب أشعث الشعر، فسأله: ما بك فأجابه هذا: هاجمني لص صربي سرق ما في جيوبي وتركني كما ترى، فقال له بطرس: وكيف لم تدافع عن نفسك؟ فرد عليه النظام الغلبان: بأي يد أدافع، اليمني كنت أحمل بها مسدساً، واليسرى أحمل فيها سكيناً؟

ومع ذلك، فالدول الغلبانة في العالم، من نوع دولنا لم تصدق بعد أن هذا النظام ولد ميتاً، ولا تريد أن تصدق.

4/6/1993

جيوب أنفية لإحلال السلام،  – النظام العالمي خرج ولم يعد