سمكة

السّمكة

العمل هنا يبدأ قبل الدوام الرسمي، وينتهي قبل انتهائه أيضاً. في ساعات الفجر الأولى تلتحم السفن بالرصيف، ويبدأ إفراغ السمك منها، أنواع وأحجام مختلفة، ومع أنوار الصباح الطالعة يمتلئ الجو برائحة السمك الطري مختلطة بأنفاس البحر الباردة وبعرق الصيادين.

سوق السمك منذ سنوات طويلة يسير على وتيرة واحدة وعلى نمط يكاد لا يتغير، كل شيء كالح ومغطى ببقع سوداء من مخلفات الذباب والأحشاء. وجوه الباعة و”السماكين”  متغضنة شاحبة وهزيلة، عليها آثار سنين قاحلة. لا شيء تغير فيه إلا هذه المصاطب الجديدة التي تقوم البلدية ببنائها أو ترميمها بين حين وآخر.

بدأ يوم جديد. أخذ الباعة أماكنهم وافترش باعة الخضراوات الأرض عند مداخل السوق ومخارجه. خلف إحدى المصاطب تقوقع هيكل عظمي مكسو بالجلد الأسمر المدبوغ، انهمك في ترتيب السمك صفوفاً وهو يبسمل في فتور. على يمينه تكرمش غلام راح يغالب نعاس الصباح اللذيذ ويفتح فمه بين لحظة وأخرى متثائباً في كسل. أيقظه الهيكل العظمي بدفعة من يده :

– سلوم! هات لنا الشاي.

مضى الصبي على مضض في اتجاه المقصف، دشداشة واسعة وقصيرة تبدو من خلالهما ساقاه كمسمارين دقّا إلى قدميه الحافيتين المتسختين.

(رشدان) . أهم ما يميزه إلى جانب هيكله العظمي المكسو بالجلد الأسمر المدبوغ عيناه الواسعتان الجاحظتان والدائريتان، الشبيهتان بعيني السمكة في دائرتيهما وخلوهما من الرموش . لهذا عرف بين زملائه برشدان (السمكة).

غاص في صمت حزين اقتلعته منه بائعة الخضار المجاورة وهي تسب وتلعن (سلو م) لأنه اصطدم في غفلة منه بصندوقها فتناثر ما فوقه واندلق الشاي على ثيابها.

أصاب الصبي ذعر منها وهي تلعن آباءه وأجداده على سوء التربية وتلقفه رشدان ممسكاً بتلابيبه لاعناً ساخطاً:

– أبداً لن تكون بأحسن من إخوانك العربيدين. كلكم سواء. اللعنة عليكم جميعاً. لكن صوته ضاع في الضوضاء، إذ سرعان ما اكتظ السوق بالناس، وضج بالقادمين والذباب وروائح السمك، وتخالطت الأنفاس وصعدت الحرارة وفاح عرق البشر. ومضى وقت أوغل فيه سلوم في النوم  بعد  العقاب القاسي، وانهمك رشدان في عمله. يصفّ السمك، يزنه، يضعه في الأكياس، يناوله للمشترين، يضع الثمن في كيس نايلون. فجأة دهمه صوت من بين المجتمعين حوله، أثار يقظته.

– السلام عليك يا رشدان السمكة.

شمّ في صوت الرجل رائحة يعرفها، رائحة آتية من ماضي الأيام. رفع عينيه السمكيتين فوقعتا على رجل بائن البدانة والنظافة. قال بذهول :

– مرحبا يا عمي.. أرجو ألا أكون في حلم.

قام مادّاً يده يريد مصافحته، أدرك للحظة أنها متسخة فمد ساعده.

قال الرجل بلباقة :

– لا تدعني عمك. نحن إخوان. هل نسيت؟

– مضت أعوام طويلة دون أن نلتقي. ثم فجأة أراك أمامي.

– إنها الأعمال والمشاغل. حكمت علينا بالبعد ونحن في بلد واحد. هذه حال الدنيا.

– نعم .. دنيا دوراة.

البحر يمتد إلى ما لا نهاية، سفينة واحدة فوقها مجموعة من البشر، رشدان والرجل اثنان منهما، مخاطر كثيرة والجوع كان يجثم فوق الصدور لا يتزحزح.

لاحظ الرجل أن رشدان غاب خلف غلالة رقيقة من الذكرى فظل صامتاً ينتظر عودته. قال مواصلاً:

– هل هي المشاغل الزائدة يا عمي.. أم ؟

تساءل الرجل :

– أم ماذا؟

– أم النفوس الجامحة بوحشية؟

– ماذا تقصد يا رشدان؟

– لم أقصد سوءاً.

وضع الميزان جانباً وتهيأ لدخول معركة مجهولة.

– لم تتغير، ولا زلت على عنادك. هكذا كنت دوماً حتى أيام الغوص والسمك.

قال بلهجة لا تخلو من أسى :

– لا تذكّرني . كنت أصيد السمك وها أنذا أبيعه.

– كانت أياماً جميلة رغم قسوتها.

– أنا أعيش كما في الماضي لا أنساه أبداً.

وبعد فترة صمت واصل وهو ينظر إلى الرجل بحدّة:

– غيري ينساه.

– ماذا تقصد؟

– أرجوك، لا تفهمني خطأ هذه المرة أيضاً. أنا الماضي بعينه. انظر !

وأشار إلى أكوام السمك أمامه.

تراجع الرجل قائلاً :

– هل أشغلك عن عملك؟

– كلا ، الحديث معك يحلو، ألا سقى الله أيام زمان!

– هل تحنّ إليها ؟

– وهل أنسى الشقاء الذي كان يجمعنا؟

– الدنيا تغيرت .. كل شيء تغير.

– إلا أنا .

واصل الرجل متجاهلاً رشدان :

– لقد حدثت تغييرات كبيرة. تغيّر كثيرون. مسح رشدان العرق عن جبينه بغترته المصفرة ، وقال بإصرار:

– رغم ذلك لم يمسني أي تقدم.

– ألا ترى العمران يسد البقاع والناس في أحسن الأحوال؟

ـ أرى وكأني لا أرى. الحمد لله على كل حال.

تنحنح رشدان، ثم تثاءب كاشفاً عن بقايا أسنان هرئة في جوف فمه. ران عليهما صمت قطعة الرجل:

– خبرني يا رشدان. أين تسكن؟

– أرض الله واسعة.

– وأولادك؟

– سامحهم الله .

– عن ماذا؟

– لا بركة فيهم ولا نفع.

– ألم يدرسوا؟ الدولة وفرت كل شيء.

– دخلوا المدارس وخرجوا أسوأ حالاً.

– بكم كيلو “الصافي” ؟

قاطعهما صوت لمشترٍ أجابه رشدان، لكنه انصرف إلى بائع آخر.

– هل يعملون؟

سأل الرجل مواصلاً بعد أن أدخل يده في جيبه وأخرج سيجارة.

– أعمال كثيرة لا فائدة منها. سامحهم الله . كم يعربدون ويسكرون.

– الأحوال صارت أحسن مما مضى يا رشدان.

– لبعض الناس، والبعض الآخر.

قاطعه الرجل :

– ما ذا تريدون أكثر من هذا؟ أتنتظرون عطاءً من السماء؟

تنهّد وصمت، ثم قال مجيباً:

– حال كل الفقراء . لا نملك إلا نفوسنا المغلوبة.

سنوات قليلة مرت مسرعة، انتفخ فيها البعض وطاروا في الهواء، وانكمش آخرون وظلوا فوق التراب. حدث رشدان نفسه بذلك وغرق في صمت أليم.

قال الرجل :

-نسيت، لم تقل لي كيف حال أم العيال؟

جاءه السؤال متسللاً إلى داخله مثل خيط بارد. أجاب :

– الرحمة لها . انتقلت إلى جواره يوم بدأت الأمور تتبدل.

– الله يغفر لها وهل تزوجت بعدها؟

قال بأسى ظاهر :

– هندية أنجبت منها هذا.

وأشار إلى (سلوم) الذي بدأ يستيقظ من نومه.

– حسن يا رشدان. الوقت ينقضي والأعمال تتطلب الحضور الشخصي. هل لديك (شعري) اليوم؟ اشتقت له.

– أهذا حنين للماضي؟

– مللت اللحم. اشتقت إلى شيء جديد.

– ألم تشبع من الأشياء الجديدة؟

شعر الرجل وكأن رشدان يحاصره في زاوية ضيقة، قال :

– كل يوم يأتي بشيء جديد. شيء متغير، لكن النصيب وحده لا يتغير.

– النصيب!

– في حسن التصرف والعقل.

رمقه بعينيه السمكيتين وقال :

– كلنا عقلاء لكن الفرص غير مؤاتية، ماذا صنعتم حتى صرتم أغنياء يشار إليكم بالبنان.

في غفلة من الزمن نظرت يا رشدان حواليك ووجدت كل شيء كما لم يكن من قبل، لكنك وجدت نفسك كما كنت فوق التراب لم تتحرك قيد أنملة.

– الغنى ، غنى النفس، والرزق لا يأتي إلا من الله.

أجاب الرجل، ومضت هنيهة سادها صمت مشحون. قطعه:

– ما رأيك يا رشدان في عمل أحسن؟

– أهذه فرصة متاحة حقاً؟

– اعتبرها كذلك.

– ما العمل ؟

– ناطور.

– في عمارتك الجديدة؟

صعق الرجل، بلع ريقه وقال :

– أعترف أنك ذكي.

-شكراً .. هذه شهادة جيدة منك يا عمي.

وبعد فترة صمت قال :

– لكنني هكذا أسعد حالاً .. دام فضلك.

– نحن إخوة يا رشدان، وأريد مساعدتك فالحياة أصبحت لا تطاق.

ـ كلا .. أشكرك.

ـ أترفض يا رشدان. إني أود مساعدتك بحكم أخوة الزمن الذي انقضى، لا تنسَ أننا كنا من أبناء حي واحد.

جال رشدان بنظره في السوق المزدحم. مسح العرق عن جبينه مرة أخرى. قال بإصرار :

– فات أوان كل شيء، ثم إني لا أريد أن أكون مثار سخرية.

تساءل الرجل دهشاً :

-مثار سخرية !

– أنت تدرك ما أرمي إليه.

– صدقني إن قلت لا.

أخذ نفساً عميقاً كأنه يستعد للانفجار :

– بعت بيتي منذ عشر سنوات بسبب الحاجة، والأرض كما تعلم آلت إليك أخيراً.

– هذا صحيح .. ولكن ..

قاطعه رشدان قائلاً في غضب ساخر:

– هل تريد أن يقول الناس إن رشدان السمكة هجر السمك ليعمل ناطوراً في بيته؟

لم يجد الرجل ما يقوله فقال :

– ستكون بالقرب من ذكريات الصبا.

– كل شيء ولّى الأدبار .. مكاني هنا.

ساد صمت بينهما تخلله ضجيج المكان وهما يتبادلان نظرات خالية من الود، كسره رشدان منادياً (سلوم) كي يحضر شاياً، لكن الرجل اعتذر، وحمل كيس السمك مودعاً .

لحقه رشدان بعينيه وهو يقول :

– أرجو ألا تطول غيبتك هذه المرة.

وكان الرجل قد تلاشى في زحام السوق بينما ظل رشدان قابعاً خلف مصطبة السمك وسط الضوضاء وروائح العرق التي اعتادها أنفه جيداً.

السّمكة

()