عبد الحميد أحمد

آل مغضوب برسم البيع

 (1)

حين نظرت إلى وجهك في المرآة هذا الصباح رأيت رجلاً لم تعرفه .. هالتان سوداوان حول العينين الغائمتين في سحابة محترقة، ووجنتان عظميتان فوقهما شعيرات كالأشواك، ووجه يغيب خلف غلالة من السواد والعذاب والحزن البارد.

كل شيء فيك اضمحل باستثناء أنفك الذي امتد إلى الأمام في تحدٍّ ووقاحة سكير، عربيد، زانٍ، عاطل عن العمل، حثالة، وها أنت الآن تجلس في شبه غيبوبة على ناصية مقهى اكتظ بالهنود وبروائح السمبوسة الحارة والزيت المحروق “وبول رادها بول سنغام .. فوغا كني نهي”([1]).

تحملق إلى الشارع بعينين مطفأتين.. عاداتك يعتبرونها قذرة. حتى في فترة الظهر تأبى إلا أن تشرب. ماذا لو اقترب منك شرطي إبليس وتشمم الرائحة المنطلقة من فمك؟ قلت لنفسك حين دهمك هذا السؤال  أكثر من مرة : إن الجميع يشربون هنا سراً.. يزنون.. يسرقون.. يحتالون، وإنك أفضل منهم، حيث تعلن ما تفعله، وقد بدا لك جوابك هذا مقنعاً.. وها أنت تدوس في الأخطار ولا تبالي بأحد.. وكأنك مجنون هرب لتوّه من مستشفى المجانين.

(2)

هل تتذكر اسمك وعمرك أيها (المسطول) الأبدي؟ وأين عشت وماذا أنت الآن؟ عبد الله مغضوب .. والبقية لا تهم.. قبيلتك، ذلك أمر بات مشكوكاً فيه.. فليذهب إلى الجحيم .. لم تسعفك ذاكرة الزمن ولا ذاكرة أبيك الذي  مات متعفناً بمرضه في خيمته. قلت لزملائك مرة في سهرة صاخبة إن قبيلتك شدّت رحالها وركبت طائرة بوينع 747 ورحلت تحت جنح الليل قبل أن يسفر النهار عن ضوئه إلى جهة غير معلومة. وعمرك.. ثلاثون أو خمسة وثلاثون عاماً.. ذلك أمر لم تستطع تحديده.. أمك المتسربلة بثياب البداوة تقول لك إنك ولدت في سنة “الوهيلة”([2]) .. ما هي “الوهيلة”؟ حدث تاريخي يضاهي حدث الحرب الثانية! وأين ولدت ؟ تقول لك أيضاً إنك ولدت على “طوي ميثا”([3])  وما دام الأمر كذلك فهو لا شك في قلب الصحراء المتلهبة.

(3)

ولماذا تنادي مرة أخرى؟

– أوريك دودلاو .. رفيك([4])  .

عيناك تذهبان خلفه، تكتحلان بإزاره الأبيض المبقع بالزيت، لقد  ألفت منظره كثيراً حتى تصورت أنه قريب لك . الآن فقط اطفأت سيجارة فلماذا تشعل الأخرى؟ الشراب لا يحلو بلا دخان، وغداً ستطير الأرض التي تحتك مع الريح والدخان أو لربما طرت قبلها كما أنت الآن كيان ذائب وهش.

زحفت إليك الشمس، أحرقتك، ابتعدت إلى الظل.. آه متى تغرب هذه الشمس يا عبد الله لتنسحب إلى مساحات أكبر من الظل والظلام ولتشتعل هناك في أحد الفنادق، وتمارس عذاب كل ليلة .. تبكي .. تلعن .. تضيع .. تفقد آدميتك، تحترق حتى مشارف الجنون.

قالت لك أمك هذا الصباح غاضبة ثائرة : إن جئت الليلة مخموراً فسوف لن تنام في البيت.

وانفجرت ضاحكاً وفي داخلك عربدت حماقة وحنق، أمك سمت الصندوق الشعبي  بيتاً.. صرخت فيك شاتمة وعلى شفتيها اليابستين بكاء : أنت فاسق.. عاق.. لو كان أبوك حياً لما أسعده أن يراك تسكر كل ليلة وتنام النهار بلا عمل.

ليست المرة الأولى التي تسمع احتجاجها وصراخها بسببك، لكنها لو تعلم فقط كيف استحلت إلى مخلوق آخر؟

انظر ! .. ما أجمل هذه المرأة وما أجمل جسدها! و .. رحت تنظر إلى ساقيها ومؤخرتها وهي تترجرج فوق الشارع الأسود كشجرة الياسمين حين يداعبها النسيم.. ها أنت تبتسم .. لماذا؟ هل تذكرت ما قاله مرة أحد أصدقائك  الماجنين من أن المرأة ذات “التبانة”([5])  الممتلئة تمتلك كنزاً سحرياً غنياً؟ ما وجه الشبه بينها وبين “مارغريت” التي تعرفت عليها ذات مساء عن طريق أحدهم؟

قلت لمارغريت وأنت تقدم لها الشراب وتقدم لنفسك الكأس العاشرة : شفتاك ممتلئتان يا مارغريت، أستطيع أن أجعل إحداهما وسادة، وألتحف الأخرى، مارغريت ضحكت كثيراً ولمعت أسنانها وشفتاها المحمرتان تحت لهيب الشراب والضوء.. وحين كنت تجلس إلى جانبها في سيارتها الصغيرة وأنتما في طريقكما إلى فيلتها الجميلة على شاطئ الخليج قالت لك : سوف لن تنسى هذه الليلة يا “أبدول” ستطعم ليلة خاصة.

وحقاً كانت ليلة دفيئة ورائعة بالنسبة لك. ولكنك عند الصباح حين هممت بمغادرة الفراش الأثير سعلت كثيراً، وحين قالت لك ادفع ألف درهم تقيأت على العتبة.

(4)

وضعت رجلاً فوق أخرى.. سحبت نفساً طويلاً وأطلقت عينيك في الهواء لتصطدما بالغروب وهو يهبط كتلة من الألوان والأضواء، الشارع يزداد حركة وضجيجاً وأصواتاً نافرة.. عليك الآن أن تكرر حكاية كل ليلة.. أن تذهب  وتشرب حتى الجنون، الجنون! وهل بقي لك عقل؟ أنت نصف مجنون وغداً يكتمل النصف الثاني فتصبح حرّاً طليقاً تطير في الفضاء مثل الفراش والعصافير.

حين مشيت، لا زالت روائح هندية وأخرى عجيبة ولغط يشبه ارتطام الأمواج بالصخور يحتدم، وألوان من الناس ومظاهر للبهجة الزائفة تنبعث أمامك في الطرقات الغاصة بالمحال والمارة والسيارات والبشر، وأنت تغالب صورة تكاد تطفو على سطح أفكارك المكتئبة .. ليس من الذوق أن تتذكر عائشة وأنت وسط هذا الحريق والجنون و.. انتبه ! لو اصطدمت بهذا القصير ذي العينين الضيقتين المائلتين المفتول العضلات وأنت في هذه الحالة من الضعف والتشتت لرمى بك أرضاً ناثراً عقالك وغترتك مضحكاً الناس عليك ! تحاشيته فمرّ ومررت بسلام.

الأضواء المتلألئة المتساقطة فوق جسدك تحسها تخترقك وتثير في قلبك شوقاً إلى كأس مترعة بالحلم المؤبد، فتمضي  مسرعاً وتمضي في إثرك ذكريات تلاحقك.

في المملكة المتحدة كان إصرارك عجيباً على النجاح.. سبعة أعوام تحملتها مليئة بالسهر والعذاب رغم ما مرّ فيها من محطات خلتها آنذاك واحات راحة. كنت تحلم بوطن معبود وبامرأة معبودة في هذا الوطن. ومرة حين قالت لك صديقتك “باميلا” التي أحبتك كثيراً إنها ترغب في المجيء إلى بلادك لرؤية القمر الفضي فقط وهو يرسل إشعاعاته على الصحراء والهدوء يعم باستثناء نسائم جافة تحمل عبق الأعشاب الصحراوية وقالت لك أيضاً وقد أخذتها موجة حلم وردي إنها تود أن تخلع ثيابها وتبقى عارية فوق الرمال العذراء وتحت القمر، تطعم نفسها لبراءة الصحراء.. قلت لها .. وأنا؟

قالت وعيناها ترحلان إلى آفاق بعيدة مزروعة بالأحلام : أريدك قريباً مني عارياً تنظر إليَّ ولا تمتلك أن تفعل شيئاً حيال القمر والرمال والصحراء فتحرقك الغيرة  أيها البدوي.

وضحكتما وأنت تقبّل شفتيها الملتهبتين. ثم قلت لها بأسى : الصحراء قاسية يا حبيبتي، فقبائلها بعد أن شبعت من أكل اللحوم أخذت تفترس القمر وتغتال البراءة.. واليوم يا ” باميلا” الصحراء فريسة سهلة.. أما سمعت عن الذباب المنقض على العسل الأسود المتفجر من بطن الصحراء؟

“باميلا”  تحلم كثيراً وأنت بدأت تستيقظ من نشوة سكر لذيذة؟

– أنت مثل الذي أصابه الهذيان.. هل أثرت فيك البيرة؟

لم تفهمك، وظلت تحلم بالصحراء كما رأتها في الكتب والسينما حتى افترقتما.

ماذا لو تجيء فعلاً إلى الصحراء الآن؟ هي تبقى حالمة أم أنها ستتحول إلى “مارغريت” أخرى يسيل لعابها للعسل لتسيل فوق جسدها الدراهم؟

(5)

هذا المكان لطيف وهادئ، والركن هناك خافت الضوء يدعوك كامرأة مجهولة أو كوطن تعود إليه بعد اغتراب.

بدأت الساعة الأولى من الليل مع مجيء الكأس الأولى. حين لامست شفتيك أول قطرة مثلجة شعرت باللذة والوجع وبساقيك المنهكتين وكأن جحافل من النمل تدب إليهما. الآن يمكنك أن تهدأ وأن ترى وتفكر .. سكير وعربيد وعاق.. وغداً سيقولون عنك كلاماً أقذع.. أنت فقط من تملك القرار.

مثل الطيور البيضاء المسترخية فوق الشاطئ وقت الغروب الشاحب رأيتهم يتكدسون في بقع الظلام والنور أمامك،  يضحكون، يثرثرون، يغنون، يدخنون، يحترقون، يشتمون، يندلق الشراب فوق دشاديشهم، تدمع أعينهم من الشراب والضحك والبكاء، يرحلون في الليل، يأكلهم قهر ويشربهم عذاب.. بعد أن تتربع الصهباء فوق عروش رؤوسهم سيأتون لمجالستك، وجهك معروف وأليف وصحبتك في مثل هذه الليالي مسلية.

مع هذه الكأس الثالثة يستحسن أن تدخن، فمك حديقة ملأى بالرماد.. أنت الآن فوق “النخل”.. تغني:  “فوق النخل فوق فوق…”، وتهتف للساقي الهندي: أعطني كأساً معتقة منذ أيام عاد قبل أن تتوالد القبائل بملايين السنوات.. هيا.

تتراقص الأضواء والضوضاء والدخان والأشباح في رأسك.. تغادرك القدرة على الحلم فتغادر المكان إلى مكان آخر في داخلك.

في آخر رسالة كتبتها لك عائشة وأنت هناك ذكرت فيها أنها لا تتصور أن تعيش مع غيرك، وعندها خنقتك صورتها وذكرى لقائك بها.. حاولت أن تتذكر وجهها، ملامحها، فلم تر إلا وجهاً لم تستطع رسم حدوده.

قلت لأمك بعد أن تخرجت أنك تريدها زوجة لك. ضربت بيدها على صدرها وقالت : هل تتصور أن أهلها يوافقون؟

لم تقل لأحد إنك تحبها وإن عائشة كذلك تحبك، ولما سألك والدها :  أين تعمل؟ فاجأك السؤال. أردت أن تقول له إنك تعمل في شركة نفط، ولكنك صمتّ طويلاً وأنت تسمع أصداء ما قالوه لك هناك :

– ستكون مساعداً لأمين المستودعات، وستمنح يوم عطلة  عن كل أسبوع، وراتبك سيكون ألفي درهم شهرياً.

– ولكن لا علاقة لي بالمستودعات ، أنا مهندس بترول.

– لا شواغر لدينا الآن لوظيفة مهندس، ولولا أنه يطلب منا توظيفكم لتعذر علينا قبولك بأي وظيفة.

بدا لك الأمر مزحة ثقيلة، وحين نظر إليك بعينيه الخضراوين وهو يقول :

– هذا ما نستطيعه، اكتشفت أنك كنت صادقاً فيما قلته لباميلا.

والد عائشة ينتظر جواباً، وإزاء صمتك قلت له موارياً خيبة مريعة : كان المفروض أن أعمل في شركة نفط.

– هل وجدت عملاً في مكان آخر؟

لم ينتظر منك جواباً، فتململ في جلسته حتى برز بطنه المتكور بشكل أثار اشمئزازك وطلبت منك عيناه بوقاحة أن تبرر أو .. تنسحب مهزوماً. تساءلت وعيناك تتعمد ألا تلتقيا بعينيه : هل أخبره بما جرى؟

وقال لك وكيل الوزارة وقد اقتنع بشهادتك، هكذا بدا لك حين أخذ يهز رأسه الكبير علامة للرضا :

– أرجوك أن تراجع قسم التوظيف بعد أسبوعين.

سنة، سنتان، بدل الأسبوعين، وأنت مثل الكلب الباحث عن قطعة عظم وسط صندوق القمامة في ليل بلا قمر.

وأجبت والدها المتأهب لسماع إجابتك : كلا.

رد عليك بنبرة شممت منها رائحة لعينة : يا ابني الأمور ليست على ما يرام.. وسنرد لك الخبر.

ولما انسحبت شعرت بالتفاهة ترتديك وأمك خلفك كتلة من الصمت، وعائشة أحسستها خلف الجدار تستمع.. ثم ترتجف.. وأخيراً تبكي، فتركبك وأنت في طريقك إلى البيت موجة عاتية من القهر والانسحاق. ووددت لو لم تخلق.

ماذا بعد يا عبد الله يا آل مغضوب؟ ها هي عائشة تأتيك هنا وأنت في جلسة أنس مع الوحدة والعذاب، تأتيك متسربة كالهواء من النافذة متسربلة بالليل خيفة الأنظار، تجلس بجانبك، تمسسك رائحة شعرها ولحمها، تحضنك عيناها، تشرب الكأس حتى النهاية وتلمس أناملك المرتعشة وتقول محدثاً نفسك :

-أبوك يا عائشة .. بعد أن وعدني، برد الخبر راح يتجسس عليَّ وعلى أمي، أرسل العيون والآذان تسأل عني وعن … ولم يصل إلى نتيجة كما لم أصل أنا من قبل.

ابتسامة كابية ترتخي في فمك، تسكت، تشرب، تنفخ السيجارة ويغطي وجهك دخان، تغوص في الألم حتى القاع، تحلم بها إلى جوارك، وتنفجر في داخلك غصة كريهة مثل انفجار الدمل. قالت لك عائشة حين هتفت لها بعدأن طال غيابها عنك .. انتهى الأمر.

وسمعت في صوتها حشرجة تكاد تنفجر إلى صراخ مذعور، قلت لها بتهكم :

– شاب لائق .. ينتمي إلى عائلة معروفة وكبيرة.

حين ودعتك للمرة الأخيرة، كان في عينيها جمود وانكسار، ولم تترك لك بعدها إلا حرارة لا زلت تستشعرها في كف يدك حيث لامست يدها.

(6)

السائل يترجرج في قعر الكأس وأنت تحركها كما تترجرج في داخلك صور وأخيلة وظمأ وبكاء و.. مذلة. تشعر بالظمأ، تشرب، آه .. لو تأتي مارغريت وتصحبك الآن لتمتص العذاب من بدنك الملتهب. باميلا تأتيك أيضاً، كلهم يجيئون إليك هنا، باميلا تصير عائشة.. تصير مارغريت.. تستلقي فوق بطن عارٍ وتضع فمك بشوق فوق سرة مدفونة وتمتص بئراً قاحلة، وتبكي.. فتلمع الدموع فوق اللحم الأبيض، تصير المسافة بين السرة وأسفل البطن كمثل المسافة بين “طوي ميثا” و “الوهيلة” وبين هذا البار وهذه اللحظة ! تمد يدك تبحث عن شيء فتصطدم بالكأس التي تفرغها في جوفك لتصحو. يأتيك صوت قبلي النبرة والإيقاع يقول لك :

– ما أضيع المساء من دونك يا ..

ها هو الشيطان الذي يأتيك كل ليلة بأفكار جديدة، ينفصل عن رفاقه ليجالسك، تذكرت أنه عرض عليك فكرة منذ سنة .. أو أكثر، قال لك .. يكررها الليلة :

– ماذا قلت ؟ ألا تنوي أن تبيع نفسك في مزاد ؟

ضحكت .. تصورت نفسك وأنت واقف وحولك مجموعة من البشر، تصور لو اشترتك امرأة، تأخذك إلى بيتها، تطعمك، تسقيك، تحقق حلمها في رجل متوثب ينهشها طوال الليل وتأكل من عمره المنطفئ، امرأة لا يهمها من تكون وما هو اسمك وعمرك وبقية الفصول من مسرحية الزمن الحي الميت. امرأة اشترتك لذاتك، لرجولتك، لهذا الغضب المنسرب في داخلك. تصور لو يحدث ذلك؟  ألن تكون سعيداً، لا تأكلك الوحدة ولا تشرب شبابك مارغريت وأشباهها ممن يتقاطرن على العسل الأسود، ولا يضيع عمرك فوق رصيف مقهى مكتظ بالهنود ولا في بار ليلي له أنياب تفترسك كل ليلة؟

هذا السكران .. يأتيك بأفكار جميلة في آخر الليل، اشرب ، بعد قليل سينادي أن الوقت قد حان للرحيل، وأن البار سيغلق، ستطردون جميعكم..

ألم تنغلق كل الأبواب في وجهك؟ ألم تطرد من الأرض وعائشة والقبيلة؟

….دفعت الفاتورة، وودعت الزملاء والأضواء والزجاجات والكؤوس الفارغة والليل في البال ليستقبلك الليل في الخارج. لفحك هواء بارد، شعرت بمعدتك تنقلب وتتسلق لتصل إلى حافة فمك، اقترتب من جدار،  دلقتها إلى الخارج وبجوارك “جن أو شان أو كاي أو شيك…” لا يهم “راح يتبول”، أحسست بالراحة، مشيت في أزقة ظلماء وأنت تدندن بكلمات أغنية بذيئة، ازددت اشتعالاً حين تصورت امرأة دفعت مبلغاً كبيراً ثمناً لك، امرأة ذات فم أحمر وجسم مليء بالعافية وعينين فيهما شبق جهنمي.

أمام دار للسينما وقفت .. قلت لنفسك .. لأجرب.

وضعت طابوقة فوق أخرى، امتطيت الطابوقتين مثل فارس متعب، كانت فلول من البشر تخرج من ثقب البناء المجاور، لوحت بيديك منادياً، بدأوا يتجمعون حولك، هتفت وكأنك تحدث الهواء:

– اسمعوا .. أنا إنسان كما ترون.. لي عينان وفم ورأس و .. من يدفع أكثر يأخذني مملوكاً أبدياً.

أكوام من اللحم تلتف حولك في شبه دائرة تتكاثف، لمحت عيوناً كثيرة، لم تكن بينها عين لامرأة اياً كانت، لكنك مضيت تهتف :

– اسمعوا .. اسمي “وسكتّ ثم قلت” لا يهم .. خريج “وسكت ثم …” لا يهم،  أسكر كل ليلة، من مضر، من ربيعة، من كنانة .. “ثم” لا يهم أيضاً، أنا بكامل قواي العقلية أعرض نفسي للبيع.

الدائرة تتسع.. تلتقط أنفاسك المتعبة وتمضي:

– السعر يبدأ بدرهم.. ثم من يدفع أكثر يأخذني. “وأردت أن تقول إن هناك خصماً خاصاً للنساء”، ولكنك قلت  :

– هناك خصم خاص للبعض.

… يسود هرج، وتساؤلات، ثم ثرثرة عجماء تتصاعد، تصير ضوضاء، وضحكاً ورثاء، تتفقد الوجوه بعينين نهمتين لرؤية امرأة.. ولكن لا امرأة! “لا تفقد  الأمل يا بن مغضوب”.

– من يبدأ ؟ من يدفع درهماً؟

يتعالى ضحك وصخب ولغط شبيه بصوت الموج المتكسر فوق صخور الشاطئ، تصغر الدائرة أمامك، يبدأ الناس في التفرق، يغادرون، يضرب بعضهم كفاً بكف، والبعض الآخر يهزون رؤوسهم، تبدل شكلك، حركاتك ، لسانك، تتكلم بالإنكليزية، بالأوردية، بالسواحلية، بالهيروغليفية، بالمليبارية، بكل اللغات التي لا تعرفها، ولكنك تظل وحيداً تهتف إلى الظلام والهدوء القاتل ، ثم تبصر أمامك شارعاً خالياً، تلعن نفسك وصاحب الفكرة، لقد أهنت إهانة بليغة، صرت كالحشرة التي تهوم في المراحيض في الليل. في عينيك الآن دمعتان متحجرتان وباردتان. ترى جسداً ـ ربما كان لمارغريت ـ تحت ضوء أحمر ينادي. باميلا لا زالت تحلم بقمر الصحراء وعائشة حلم محكوم عليه بالإعدام. فجأة توقفت.. ها أنت تدرك أنك تسير في اتجاه معاكس للبيت. تمضي حاملاً أضغاث أحلام وهزيمة وآمالاً خائبة وعلى الأرض، حيث توقفت بقعة لامعة لبصقة تلمع فوق الأسفلت و.. تحت القمر.

[1]) أغنية هندية.

[2]) “الوهيلة” : اسم موقعه محلية قديمة حدثت في دبي عام 1938.

[3]) “طوي ميثا” بئر ماء في أطراف دبي.

[4]) “أوريك دودلاو .. رفيك” : بالهندي تعني : أجلب شاياً آخر يا صديق.

[5]) “التبانة” : ساق المرأة. 

آل مغضوب برسم البيع

()