جيني

“جيـــني”

كرمشت) الرسالة ووضعتها في جيبي.. ثم خرجت من البيت حاملاً كتبي.. المسافة تستغرق مني عشر دقائق مشياً إلى المحطة.. المعالم اليومية أمرّ عليها بلا مبالاة، خليط من البشر يتدافع صوب المحطة .. البخار يتصاعد مع الأنفاس الحارة ولا يلبث أن يتلاشى في الجو.. الصباح خافت النور كعادته.. ورذاذ بارد يتساقط فيبلل شعري.. يدي الممسكة بالكتب تجمدت من البرد، وتحسد الأخرى المنتعشة من الدفء وأنا أدسها في جيب معطفي.. أنفي.. أحسه محتقناً، وأذناي يلسعهما البرد (حشرت أنفي ليشم روائح لم يتعود عليها .. وأذنيَّ ليسمعا كلاماً جديداً).. وخطواتي غير منتظمة الإيقاع على الرصيف المبتل، حاولت أن أنسق الإيقاع مراراً ففشلت. امتلأت المحطة بجموع الطلاب والعمال والموظفين من الجنسين.. الوجوه نحاسية صارمة لا أثر للابتسام عليها..

في القطار جلست قبالتي “دينا” بعد أن تبادلنا تحية الصباح.. ثم صمتنا، جبهتي تؤلمني هذا الصباح، وعيوني أحس فيهما حرقة السهر .. عينا “دينا” الواسعتان شاردتان تتأملان الروابي الخضراء الممتدة.. ويدي دون أن أشعر تلامس الرسالة.. آخرجتها وقرأتها مرة أخرى، يخبرني أخي كالعادة أن الأخبار على ما يرام هناك، وأن الأهل جميعهم بخير.. ولم ينس أن يذيّل الرسالة بنصيحته المعتادة، البحر هناك.. والشمس والنخيل في الصحراء.. والحب اللامرئي الذي عاشه أبي .. هل أعيشه أنا أيضاً؟

– رسالة من الأهل؟

سألتني بصوت ناعم وبإنكليزية فيها لكنة فارسية.. فأجبتها :

– وصلتني اليوم صباحاً.

وبعد لحظة صمت قالت بتأسٍّ لا يخلو من رنّة حزن : يا سعدك.. وابتسمت لها غير آبهٍ.. وعادت تنظر عبر النافذة في وجوم صامت.. (أترحلين أنت أيضاً إلى هناك.. أم تهربين؟) صارت دينا أختاً لي بعد أن ولدت من جديد.

– أراك ساهمة؟

– اشتقت إلى أمي في إيران، ولا أدري كيف هي بعد الثورة..

– لم يمض لك سوى شهرين .. أليس كذلك؟

اختلجت أجفانها.. وقالت بصوت تشبَّع بالمرارة :

– أحس بالاختناق هنا..

ألا تروق لك البلاد؟

– تروق لي لحدٍّ ما.. لولا شعوري الدائم بالوحدة والانقباض.. والشوق.. وارتعشت نظراتها في عينين لا حياة فيهما.. وقالت وهي تضغط على شفتها السفلى:

– سأعطي نفسي مهلة شهرين آخرين..

وعادت تنظر إلى الخارج.. (هل علمت “دينا” أنها تكشفني بطريقة أو بأخرى..).

ورحت أفكر في “النظرية ذات الحدّين ومعادلاتها المعقدة..”، ثم وجدت نفسي أنظر عبر  النافذة كما تفعل “دينا” لكن إلى اللا شيء.

***

في الفصل وقف “مستر كولدنغ” بقامته القصيرة وشعره الأشيب المتناثر فوق رأسه، يشرح تفاعلات لأحماض ولمركبات عضوية.. لا أدري لمَ يصر على مناداتي بـ “السيد علي” بينما ينادي بقية الطلبة بأسمائهم المجردة.. وأحياناً بألقاب يختارها لهم. فهو يقول لـ “مايكل” ذي الأنف الأرستقراطي يا “زنجي” ويقول لـ “ماري” (الصينية)، يا ذات المؤخرة الكبيرة.. (أستاذنا حجازي كان يقول لي في الرابع الثانوي يا حمار.. ويقول لجمعة الجالس على يميني يا مغفل.. ولإبراهيم يا أبله.. متى تستذكرون دروسكم). وأنظر إلى “جيني” في جلستها المسترخية.. هذه الجميلة، الرشيقة القوام تشدني عيناها إلى القاع.. أحب اخضرارهما، (عائشة .. الطيف الخجول المختبئ في ذاكرتي.. تلك التي عيناها واحة صحراوية).. و”جيني” تضحك لي عيناها باستمرار.. منذ البدء وهي تعاملني برقة مثل رقة ملامح وجهها.. أحس أنها تحس أني شيء منفصل عن هذا الفصل المتجمد وعن هذا العالم الذي زججت فيه بلا حسبان.. وأني يتيم فقدَ كل ما لديه، ولم يتبق له إلا هذا الوجه البني المهموم.. ألهذا  تلاطفني ؟

(عائشة .. أخبروني أنها تحبني بعد أن رأيتها في عرس أحد الأقارب في صيف مضى.. ثم توالت خطاباتها.. كلها كانت عادية.. إلا خطابها الأخير. ما معنى أن تخبرني أنها تكتب الرسالة وهي تستمع إلى أغنية فيروز “حبيتك بالصيف حبيتك بالشتي”.. الرموز تخالطت في عقلي، وفشلت كل المعادلات التفسيرية .. لست لأني لا أفهم، لكن حيرتي تنتهي دائماً إلى تساؤلات أكثر حيرة.. الأطياف الشفافة لا تصير مرئية.. هل لا زالت تحبني في الشتاء؟).

– مستر علي !

يا إلهي .. هذا ” مستر كولدنغ” يضعني في المصيدة مرة أخرى.

– قل لي .. كيف يمكننا استخلاص غاز الأسيتون؟

وقعت من أعلى البرج .. وجهي أحسه يضمحل وعيناي ترتعشان.. طال صمتي.. نظر تجاهي الطلاب فتبعثرت فوق الكرسي.

– آسف لم أكن هنا البارحة..

قلتها بصوت مرتعش، فجاءني صوته هادراً :

– لكني شرحت هذا الدرس الآن فقط..

(شيء يخنقني.. يجب أن أكون صريحاً):

– اعذرني .. يبدو أنني لم ألتقط ما قلته..

– حسناً .. حاول أن تكون معي من فضلك..

وعاد يشرح .. والتفت إلى “جيني” لائذاً .. قالت لي نظرة منها : “لا عليك”.

ونظرت إلى اللوحة السوداء الممتلئة برموز ومعادلات.. فضعت .. لكني فتحت دفتر ملاحظاتي ورسمت ما على السواد في شبه غيبوبة.

***

ازدحمت كافتيريا الكلية .. الكل يشرب القهوة الساخنة ويتضاحك ويتندر.. وجلست وحدي أشرب الشاي وأتدفأ بحرارة الكوب.. غيمة ضباب داكنة تلفني.. حيّاني “لازاريديس” اليوناني الوسيم ومضى إلى علبة الموسيقى وانطلقت أغنية صاخبة ضاعفت من صخب المكان.. حزني تكاثر في الضجيج وفي الدخان المتصاعد من سجائر الطلبة.. بخار كثيف غطى زجاج الواجهة، والمطر يتهاطل في صمت.. بالكاد استطعت  أن ألمح أطياف السيارات المارة في الشارع.. (لم أر حادث تصادم هنا أبداً.. آلاف السيارات تتصادم في داخلي كل يوم.. وآلاف الجرحى يقعون.. كيف أضحك مثلهم.. كيف أكون “بيتر” الواقف أمامي.. ألقي بيدي على مؤخرة إحداهن وأداعب بيدي الأخرى شعرها وأقبّلها.. تماماً كما يفعل هو الآن).. أشعلت سيجارة.. لكني أخمدت أنفاسها الوليدة بأصابعي المرتعشة بعد لحظات.. (لو يتحطم هذا اللوح الزجاجي المغبش.. فأخرج إلى الشارع كحصان ينفلت من لجامه.. ولا يعود إليه).

مشيت إلى الفصل بعد انتهاء الفسحة.. لمحت “جيني”  على المدخل ابتلّ شعرها الأشقر، فأخذت تحتمي من البرد في معطفها .. بادرتني :

يا له من يوم رديء.. أليس كذلك.

– هو كذلك، لكني أحب المطر.. نحْن نحِن إليه هناك.. أعندك فيزياء؟

– نعم .. وأنتِ ؟

– رياضيات..

وهمّت بالانصراف وهي تقول : سأراك غداً.

لكني استوقفتها، وأنا أهمس مضطرباً : جيني..

رفعت إليَّ عينيها الخضراوين (كم أحب الرؤى الرابضة في قاعيهما) وتساءلت مندهشة : ماذا يا علي ؟

– هل ..

وأمسكت وأنا أدور حول نفسي.. وأذوب خجلاً .. لكن بسمة منها شجعتني..

– هل تخرجين معي الليلة؟

أجابت وهي تمسح قطرات الماء من على جبهتها:

– الليلة .. لا أظن أني أستطيع.

(آلاف “عائشة” تتوالد في داخلي.. وتصفعني.. وتشدني إلى داخل اللجام..).

وبادرت بصوت خفيض .. غداً سيكون مناسباً لي.. ما تقول في ذلك؟

خفق قلبي “حبيتك بالصيف حبيتك بالشتي”، وقلت مأخوذاً : حسن جداً.. أين أراك؟

– في محطة القطار.. هل ذلك يناسبك؟

(قالوا إن عائشة تحبني.. لم يقل أحد إن “جيني” تحبني).

وأومأت موافقاً على ارتباكي.. ودَّعتني في دلال ودخلت الفصل..

***

لفحتني نسمة باردة فارتجفت مفاصلي.. وأنا أنتظر قطار العودة في المساء.. عجائز يتدثرن في الأردية الصوفية.. الطلبة ينتظرون  مع الجموع.. وعمال المحطة يستعدون لاستقبال القطار.. عيناي تمران على المشاهد بفتور.. (الرحيل أمارسه دائماً.. يشدني إلى هناك.. كيف أفك الإسار عن هذا الضغط الذي يرحل بي إلى داخل نفسي..).

***

في المساء التالي، ذهبت إلى المحطة.. تباشير الليل المعتمة تلف المنازل في حزن داكن..المطر يتوقف، لكن البرد يزداد حدة.. حاولت أن أنفض عن نفسي همومها الصغيرة كي أبدو مرحاً أمام “جيني”. وجدتها تنتظرني في قميص صوفي أبيض وبنطلون أسود كشفا عن رشاقة وخفة.. نظرت إلى وجهها الباسم. تبدو أكثر روعة هذا المساء.. قالت في شبه عتاب :

– تأخرت كثيراً، حتى ظننت أني جئت قبل الموعد..

– كان عليَّ أن أقوم ببعض اللوازم.. ورغم ذلك فأنت من أتى مبكراً فعلاً .. ضحكت، وانطلقنا إلى مشرب شعبي قريب ضج بالشاربين.. في زاوية منه جلسنا وحيدين..

– أنت إنسان حالم كما أراك في الفصل.

(أطياف حالمة متعثرة في دائرة الخوف .. والخجل).

– لم أكن كذلك .. حتى جئت إلى إنكلترا..

– وهل هي بهذا الجمال حتى تجعلك لا تستيقظ من الحلم..

(… عيناي ترحلان هناك.. حلم يتبدد في غياهب الواقع.. لقد قالوا إنها تحبني..).

– اعتبرتها حالة مرضية..

– آه.. ها .. إذن يسعدني أن أشرف على تطبيبك.. هل تحب ذلك ؟

راقت لي دعابتها .. وراحت ترشف آخر قطرة من شرابها الأحمر على عجل.. لمعت حمرة شفتيها تحت النور الخافت، وخرجنا.. المرقص ضج بالعرق والظلام والنور والدخان والموسيقى وروائح أخرى.. (هذه الروائح التي تنداح في داخلي .. من يشمها غيري..).

صرخت في أذنها وهي تتراقص : الوقت متأخر، وعليك أن تلحقي آخر قطار..

ردت وهي تصرخ : لماذا؟

– كيف ستذهبين إلى البيت إذن؟

– لن أذهب.

– وأين ستقضين الليل؟

– يا له من سؤال سخيف.. سأقضيه عندك..

(الليل هناك.. هدوء وقمر ورمال وأحلام تملأ الرأس وتهيم في الفضاء).

– لديّ سرير واحد.

– لا تقلق .. لن أدعك تنام على الأرض.

لما دخلنا الشقة، صعقتنا رائحة الطعام البائت والبرودة القاتلة …

أشعلت المدفأة .. وجلست أتظاهر بقراءة كتاب لفترة.. ثم قررنا أن ننام.. أطفأت النور.. ودخلت الفراش.. (الدفء الذي يغمرني أحبه.. جبهتي تتشقق مرة أخرى..) .

في الظلام تجرأت أن أسألها :

– “جيني” هل تحبينني؟

جاءني صوتها منتشياً بالنعاس : أنت تمزح طبعاً، تعلم أني لا أحبك.. وغصت في صمتي.. ثم قالت متثائبة : أنت تروقني يا علي فقط.. وقبلتني .. وأغمضت عيني لحظات.. ولا أدري كيف تذكرت عائشة في هذا الظلام .. لكن صوت ” جيني” عاد يقول متسائلاً:

– أتبكي يا علي؟

… ورغم ذلك ضممتها وهي تزداد التصاقاً بي وشعرت بالدفء في ليلة باردة.

“جيـــني”

()