عبد الحميد أحمد

وضوح الكتابة .. وضوح الموقف

  • وراء الاصطناع اللغوي والتمويه والتحايل، وراء اللعب بالألفاظ وترصيع المقولات المحكمة البناء والخادعة من الناحية البلاغية، يختبئ كثير من الأدباء والمثقفين العرب، ويخبئون وجوههم ومواقفهم، كل ذلك بحجة عدم المباشرة والتسطيح والخطابة.

القارئ، الطرف المقابل للعملية الإبداعية وللإنتاج الثقافي، يرهق نفسه للوصول إلى نتيجة ما، إلى موقف ما، إلى جوهر ما، تحاول تلك الأنواع من الكتابات الإيحاء بها، لكن هذا القارئ، المفترى عليه والمتهم بالأمية والتخلف والغباء، ينفض يديه عما هو بين يديه حينما لا يجد شيئاً حقيقياً ملموساً، وحينما لا يجد كذلك ما يوحي بأي شيء، والأخطر، أن كثيراً من القراء المفترى عليهم يداخلهم الشك فعلاً في محدودية فهمهم، فيديرون الظهر بلا أسف عن كل إنتاج ثقافي إبداعي، ويتصورون أن العيب فيهم، بينما العيب حقيقة في نوعية الإنتاج الذي لا موقف فيه ولا وضوح.

المباشرة والخطابة والتسطيح صفات منبوذة ومعيبة في الإنتاج الإبداعي، هذا صحيح وجميل، لكن الصحيح أيضاً أن أي كتابة مهما ارتقت في جمالياتها اللغوية والأسلوبية وخلت من وضوح الموقف، هي لزوم مالا يلزم، كتابة بلا روح. ميتة، وإن خادعت وتحايلت.

ويقيناً، لا توجد كتابة بلا موقف، وإن حاولت إخفاء هذا الموقف، وتمويهه وستره، لكن لماذا يلجأ بعض الكتّاب إلى إخفاء مواقفهم إذا كانت مواقف نبيلة وإنسانية ولا ضرر مباشر أو غير مباشر تسببه للكاتب؟

هناك قضايا كثيرة يتم تمييعها ولا يمكن أن تجر على من يتخذ منها موقفاً أي ضرر، قضية الموت مثلاً، أو عند الحديث عن الجمال، أو الإبداع، وغير ذلك.

الهروب من اتخاذ موقف وإيضاحه موقف، يقف وراءه فكر وفلسفة كاملة، حتى وإن تستر وراء مقولات بلاغية أو حجج إبداعية، إذ إنه في عالم كعالمنا اليوم مطحون بالمجاعات والمجازر والاستغلال والبطش، ومهدد بالدمار النووي. لا يمكن لكاتب نبيل أن يدير ظهره عن هذا الموت اليومي، المجاني، المتجول بين ظهرانينا، ليحدث قراءه ومستمعيه ومشاهديه عن كائنات وهمية تعيش في رأسه بحجة عدم المباشرة وادعاء العمق. هذا مثال ليس إلا، ومن هذا المثال يمكن اكتشاف عدة مواقف لا موقفاً واحداً، لكنها للأسف مواقف غير نبيلة، ولا إنسانية.

الغريب أن بعض هؤلاء الكتاب والمثقفين لا تظهر مخاتلتهم وخداعهم في إنتاجهم الإبداعي فقط، فالمقابلات الصحافية معهم وكتاباتهم الصحفية العادية تنحو المنحى ذاته، حيث تفخيم اللغة، اللعب الأسلوبي، الدوران حول المقولات والمصطلحات، دون إيضاح، ودون موقف، ونادرون أولئك الذين يذهبون فوراً إلى موقفهم بوضوح، وبشجاعة، وبرؤية نافذة، ذلك لأنهم يمتلكون وضوحاً في معتقدهم وموقفهم الحياتي والإبداعي على السواء.

الشاعر ممدوح عدوان يقدم نموذجاً لهؤلاء، ففي ردٍ له على سؤال حول الإيضاح والإفصاح والغموض يقدم جواباً وموقفاً لا لبس فيهما، وفي رده ما يكمل موضوع حديثنا هذا.

يقول: «الشعر لا يجب أن يقول كل شيء، بمعنى أنه ليس خطاباً، ولا بد أن يعتمد على الإيحاء ويترك للمتلقي حرية الحركة عبر مناخ القصيدة، لكن هذا لا يعني تركه يتحرك أينما شاء، إذ لا يجوز أن يخرج القارئ بانطباع من قصيدة لشاعر عربي، إنه كقارئ لم يستطع فهم الشاعر إن كان مع «إسرائيل» أو ضدها. اتجاه القصيدة يجب أن يكون واضحاً، والوضوح ليس عيباً. المباشرة هي العيب»، ويضيف: أنا أتعامل مع موضوعي بشكل واضح، صادر عن موقف واضح، هذا الوضوح أحياناً يعتبرونه مباشرة، ولكني أعرف أن المباشرة غير ذلك.

ويوضح موقفه أكثر: البساطة لا تتناقض مع العمق إذ يمكن للقصيدة أن تكون بسيطة وعميقة في أن واحد، ولكن هناك التباساً بين البساطة والسطحية وبين العمق والغموض المقصود، بين المباشرة السياسية وبين التعامل الواضح مع الموضوع، أعتقد أن من يثير هذه الإشكالات عبر تاريخنا الثقافي الحديث يريد إبعاد الثقافة عن الحياة، بحجة أن لا علاقة للثقافة بالسياسة، الثقافة لا وظيفة سياسية لها. وبالتالي الشعب لا علاقة له بالموضوع. متاعبه، همومه لا علاقة لها بموضوع الثقافة، فلا بد للثقافة – برأي هؤلاء – أن تتعامل مع المواصفات الجمالية والخالدة. يعني مسموح لك ضمن هذه المقولات أن تتعامل مع الموت بالمعنى الميتافيزيقي وغير مسموح لك أن تتعامل مع الموت في صبرا وشاتيلا، أي أن تتعامل مع الموت وليس

الأموات.

ويضيف: تمييع المسألة بهذا الشكل موقف خطير، يريد أن يبعد الثقافي والأديب عن وظيفته في الحياة، وهذا بحد ذاته موقف سياسي خطير. أنا إنسان مهدد! هذا ليس شعاراً سياسياً. فأنا لست زعيماً سياسياً، لكن عندي إحساس داخلي بأني مهدد دائماً. إذا لم أعبر عن هذا الخوف في كتاباتي، فهل أكتب عن الخوف من الغابة التي واجهها الإنسان الأول بسبب الظلام في وقت لم يكن يعرف الظلام؟

… ترى كم عدد الكتاب الذين يتكلمون بوضوح ويمتلكون وضوحاً في الموقف، بلا مباشرة ولا خطابة ولا تسطيح؟ أين هم إذن ليراهم القراء ويفهمونهم؟ ومتى يخرجون من ظلام اللا موقف إلى سفر الموقف؟
وضوح الكتابة .. وضوح الموقف

()