عبد الحميد أحمد

على الحديدة أو على سرير الزوجية

نتوقع إذا انتشرت مثل تلك التوصيات الجميلة التي أسفرت عنها ندوة صندوق الزواج بالعين، أن تصرخ

الفنادق ومحلات الخياطة والتجميل، وتلطم خدودها وصدرها، وهي تندب سوء حظها المقبل، وبوار صنعتها وكارها.

فالفنادق لن تجد من يقبل على صالاتها لإقامة الأفراح فيها، وكان الناس لا يجدون فيها حجوزات لشهور طويلة، فيضطر منهم من يضطر، أن يقيم حفل زفافه في أيام لم يكن متعارفاً عليها اجتماعياً كأيام تصلح للزواج، علاوة على اضطراره تكبد دفع مبالغ طائلة لأجرة الصالة والكراسي، وثمناً للأطعمة والمشروبات التي التهمها وابتلعها إخواننا المعازيم بالهناء والشفاء طبعاً.

والمطابع الصغيرة التي تخصصت في طباعة بطاقات الدعوات وهي تتفنن في تصميمها، حتى صار لكل مستوى اجتماعي تصميم، ستغلق أبوابها وتتحول إلى مطاعم سمبوسة أو تكا، فذلك أضمن لمستقبلها.

ومحلات التصوير بالفيديو والاستوديوهات، المتخصصة في تصوير الأعراس عليها العودة إلى شغلها الأصلي، فتصورنا 4×4 لزوم الجوازات والمعاملات الرسمية أو شهادة حسن السيرة.

والفرق الفنية والموسيقية والغنائية من فرق المعلاية والزار والرقص الشرقي وهز الوسط والغناء الغربي، على أعضائها التفتيش عن عمل آخر، كأن يتحولوا إلى تسلية السياح الأجانب في فنادقنا، وتقديم عروضها على قارعة الطريق وجمع «النقوط» ممن أسعدهم الحظ بالفرجة، فنحن لم نعد في حاجة لطبلهم وزمرهم.

ومحلات الخياطين والمصممين، الذين يأكلون بعقلنا حلاوة، وهم يصممون لنا فساتين الأفراح للعرائس، وفساتين تابعة للقريبات، بعشرات الآلاف من الدراهم، وصل أسعار بعضها إلى مائة ألف درهم، عليهم أن يشيلوا قشهم ومقصاتهم ويتوكلوا على الله، فبلاد الله واسعة والمجانين فيها كثر.

ومثلها صالونات التجميل والحلاقة والكوافيرات والزينة، وتجهيز العرائس بالحمام المغربي والهندي والتركي والصيني التي انتشرت أكثر من البقالات ومن بياعي الليلام، وصارت تنتف ريش العريس قبل زفافه وهو يدفع ثمن تسريحة وثمن قصة وثمن الماكياج والباديكير والمانيكير وغيرها من أعمال الصيانة والسمكرة والسنفرة والتلميع.

وتجار الكوشة وديكورات صالة الفرح ومسرح الأغاني ومنصة العروسين، يخلف الله عليهم فلن تعود هناك حاجة لخدماتهم السوبر، فالخيمة تكفي وتزيد، والساحات أمام بيوتنا ملاعب كرة ومدرجات طائرات، تكفي لعشرات الأعراس والحفلات كل يوم وعلى الطبيعة وفي الهواء الطلق.

وغير ذلك، كثير من الصناعات الأخرى الفطرية، التي انتعشت على خراب بيوت شبابنا المقبل على الزواج، وجعلت من كل زواج مهنة ومربحاً وفائدة وتجارة رائجة، ونحن نجري وراءها وكل منا يقلد فلاناً وفلانة ويريد أن يباهي فيزيد عليهما صرفاً وقرضاً من بنك، فإذا ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، انتبه إلى أنه على الحديدة، لا على سرير زوجية وراحة.

لذلك، لا يهمنا أن يخسر كل هؤلاء التجار الطارئين، ونكسب شبابنا وشاباتنا ومستقبلهم في حياة هادئة ومستقرة، ولن يضيرنا شيء العودة إلى أعراس البيوت بوجود الأقارب والجيران والأصدقاء، ولن يضير بناتنا العودة إلى أيام الحناء والياس والورس والنيل، وإلى الثوب المحلي والتخوير التقليدي.

وبما أن مثل تلك التوصيات رائعة، من تحديد سقف المهر وإلى تحديد مظاهر الزواج، الأمل أن تنتشر وتنفذ في كل قرية ومدينة عندنا، وقناعة الناس بها وتشجيعهم عليها وتقبلهم لها بروح الوعي والحرص، أهم من أي قرار تصدره وزارة أو حكومة، فالأصل هو ما يتعارف عليه الناس ويرتضونه فيما بينهم، وهو أثبت وأبقى من قانون، أو قرار، والحمد لله على عودة العقل إلينا، بعد أن افتقدناه لفترة، فالعقل نعمة وزينة معاً.  24/6/1993

على الحديدة أو على سرير الزوجية