عبد الحميد أحمد

أسئلة من سلسلة مارس

  • امتلأت سلة مارس بالنشاطات الثقافية والفنية حد التخمة، وكان بحق شهراً صاخباً ومتعباً خاصة للعاملين في الحقل الثقافي والمهتمين من المثقفين والجمهور على السواء.

مارس الذي اكتنز بالنشاطات الكبيرة والصغيرة، المهمة وغير المهمة، هو النموذج الساطع للحالة الثقافية التي نقول عنها إنها نشطة ومتحركة، ونقول عنها أيضاً إنها كمية، وإن النشاط النوعي الجيد يضيع في معمعة الكم وفي بهرج الدعاية والضجيج، ويمكن أن نضيف إليها صفة أخرى: حالة ثقافية مضغوطة وضاغطة في الوقت نفسه. مضغوطة من حيث كثرة عدد النشاطات وتنوعها وانتشارها، وضاغطة على الجمهور الثقافي الذي يجد نفسه في شهر مثل مارس أمام خيارين: إما بعثرة نفسه لملاحقة هذا الكم، وهو أمر مستحيل عليه، وإما الانزواء والجلوس بعيداً عن الضجيج والصخب وهو ما يحصل عادة.

إحصائية واحدة ترصد هذه النشاطات، تكفي لإيضاح ما ذهبنا إليه سابقاً. في أن الكم يطغى على الكيف وفي أن المظهرية داء قاتل للثقافة متى أصيبت بها، وفي أن خسارة الثقافة في حالة «العصاب» هذه تكون في جمهورها، وفي أن البرمجة والتخطيط والتخصص والتنسيق أمور مطلوبة وحيوية لهذه الساحة التي تزداد عنفواناً يوماً آخر. كل ذلك لتقديم جرعات ثقافية غنية في محتواها وقيمتها، والأهم أن تترك بصماتها وآثارها على من توجه إليهم، وتكون بذلك مساهمة في التأسيس لحركة ثقافية ناهضة، لا مجرد استهلاك لحالة ثقافية طارئة.

ورغم أن مارس ينفرد عن غيره من شهور السنة بمجموعة من النشاطات الجيدة والنوعية والتي يقيمها وينظمها المعنيون تماماً بالثقافة، إلا أن هؤلاء يحتاجون منا ومن الآخرين كل عون ومساندة، وذلك بمواكبة ما ينظمونه والحرص على إنجاحه بعدم تشتيته بنشاطات أخرى أقل أهمية، وقابلة للتأجيل.

في مارس مثلاً، كان هناك مهرجان ثقافة الطفل ومهرجان الفنون الوطني والأيام المسرحية بالشارقة، وفي أبوظبي كان معرض الكتاب وعلى هامشه نظمت أمسيات ومحاضرات عديدة، وما بين ذلك نظمت اللجنة التحضيرية للاحتفال بيوم الأرض مجموعة من الفعاليات، وهذه رغم أنها طارئة ومرتبطة بمناسبة إلا أنها قدمت نوعاً على مستوى الأغنية والمحاضرة والشعر باستضافتها مارسيل خليفة والميادين وبشير الخيري والشاعر مريد البرغوثي، وفي خضم كل ذلك أقيمت نشاطات أخرى متفرقة بعضها لم يجد جمهوراً، وفي بعض المناطق كالشارقة مثلاً صادف في يوم واحد وجود أكثر من خمسة نشاطات. ولا ننسى أيضاً أن ثمة ضيوفاً من الأدباء والكتّاب وغيرهم تمت دعوتهم خلال هذا الشهر. محمود درويش وعبد الرحمن الأبنودي ومريد البرغوثي ووفد اتحاد الكتّاب الفنزويلي والمخرج السينمائي ميشيل خليفي… إلخ.

ذلك جزء من كثير مما شهده مارس لوحده، الشهر الضاغط والمضغوط، وفي هذا الزحام الثقافي تأسف كثيرون لأنهم لم يستطيعوا حتماً أن يشهدوا كل هذه النشاطات، خاصة الجيد منها كمهرجان الطفولة ومعارض الفنون في الشارقة ومعرض الكتاب بأبوظبي وغير ذلك، والسبب ليس في الجمهور وحده الذي كثيراً ما نضع اللوم عليه، بل في الساحة الثقافية نفسها وفيما تفتقده من تخطيط وبرمجة وتنسيق، وفيما تشهده من فورات وغليان في فترات، تعقبها أوقات أخرى لا تشهد فيه شيئاً له قيمته وجدواه.

أما الذي سوف يحدث بعد صخب مارس الثقافي؟ ثمة هدوء مقبل، ثمة صمت، وكأن الثقافة ريح تهب لساعات، ثم تهدأ، والأصح أن تكون نسائم متصلة بلا انقطاع ولا ضجيج.

هذه العافية الثقافية فيما يبدو تدعو للفرح، فنحن في عرس ثقافي بهيج، فيه الكتاب واللوحة والأغنية والقصيدة والفكر، ولكن هذه العافية، هل أفرزتها بنية ثقافية متماسكة لها أسسها وقاعدتها، ولها جمهورها، وبالتالي نضمن استمرارها وتألقها ونستطيع جني ثمارها في المستقبل كإضافة إلى البناء الثقافي، أم هي عافية مؤقتة طارئة يخلقها الانتفاخ الثقافي المواكب للحالة الاستهلاكية وليس إلا؟ أم هي كخيار ثالث رد فعل حتمي للحالة الاستهلاكية إياها، وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي رد فعل عصابي، أم رد معقلن يمتلك منطقه ومشروعه المغاير؟ أسئلة في وجه الريح.

أسئلة من سلسلة مارس

()