عبد الحميد أحمد

الشفافية الإعلامية لمواجهة التدخل الأميركي

لا توفر الولايات المتحدة فرصة سانحة للتدخل في شؤون الدول الأخرى إلا واستغلتها أحسن ما يكون الاستغلال، فتشغل آلتها الدبلوماسية والإعلامية وخبراءها ومراكز بحوثها للإساءة لتلك الدول ومطالبتها بإجراءات، وكأن الولايات المتحدة هي حكومة العالم، أو أنها أم هذا العالم، خلّفت (من الخلفة وإنجاب الأولاد) هذه الدول وهي مسؤولة عنها وعن شؤونها.
طبعاً هذا التدخل السافر يأتي تحت شعار حماية حقوق الإنسان حيناً ومحاربة الإرهاب حيناً آخر، واختلط في مثل هذا التدخل الكذب بالنفاق، والمصلحة الذاتية لأميركا مع أطماعها في السيطرة، على نحو ما نراه في العراق وما يجري مع سوريا ولبنان حالياً، ومع غيرها كذلك من الدول، منها دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى.
فمن تقارير حول الاتجار بالبشر والإصلاحات في الشرق الأوسط، إلى سن قوانين وتشريعات عابرة للقارات من قبل الكونجرس الأميركي، الذي يبدو أنه في عهد إدارة الرئيس بوش تحول إلى برلمان لمحاسبة الشعوب والدول، لا برلمان للشؤون الداخلية الأميركية، ويواكب كل ذلك مراكز الأبحاث والدراسات المرتبطة بدوائر صنع القرار الأميركي، من الخارجية إلى البنتاغون، بخبرائها وباحثيها الذين يسلطون أدواتهم البحثية على دول بعينها، يساعدهم في ذلك أن الدبلوماسيين الأميركيين، من رتبة السفير فما دون، يشنون غارات دبلوماسية في هذه الدول، فيطالبون المسؤولين فيها، من وزراء ومديري إدارات وسلطات تنفيذية، بمطالب هي ليست من اختصاصهم كدبلوماسيين، مهمتهم تمتين العلاقات بين هذه الدول وأميركا، حين يتدخلون بفرض أوامر أو توجيهات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها صفاقة دبلوماسية، نرجو إدخالها في مناهج الجامعات وتدريسها لطلاب العلوم السياسية، بوصفها من منجزات الدبلوماسية الأميركية.
وما يهمنا في دولة الإمارات كمثال، الموقف من الاتجار بالبشر، سواء ما تعلق بقضية “الركبية” أو الدعارة، حيث لم تقصر الإدارة الأميركية في النيل من سمعتنا، على الرغم مما اتخذته السلطات عندنا وتتخذه، للحد من هذه الظواهر ومحاربتها، والتي هي عادةً ما تكون تصرفات فردية أو من عمل عصابات منظمة، يمكن لممارساتها أن تحدث في أي دولة في العالم، بما فيها الولايات المتحدة نفسها.
فقد نشر مؤخراً على سبيل المثال أن السلطات في كاليفورنيا ألقت القبض على 47 شخصاً يتاجرون بالرقيق الأبيض، ويهرّبون النساء (تم حجز 150 امرأة من كوريا الجنوبية) لاستغلالهن في الدعارة، فهل لنا أن نقول إن الولايات المتحدة تسمح بالاتجار بالبشر لمجرد أن عصابات فيها تقوم بمخالفة القوانين وترتكب جرائم كتهريب البشر، كما تفعل معنا فتديننا في تقاريرها وفي تصرفات دبلوماسييها مع مسؤولينا؟ هذا مع العلم أن الدعارة يسمح بها في الولايات المتحدة، وتعتبر تجارة شرعية تدخل تحت تصنيف صناعة الترفيه، فيما هي محرمة شرعاً وقانوناً في دولنا، وإن وجدت تجاوزات فهي فردية لا تتردد السلطات في معاقبتها، على نحو ما جرى مؤخراً مع نساء من إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً، حيث تم إنقاذهن من براثن عصابة تتاجر في الرقيق الأبيض.
طبعاً الأميركان بحكم الغرور والغطرسة كالجمل الذي لا يرى سنامه، قدر ما يرى سنام غيره من الجمال، لكن الخطير في الأمر هو أنهم يصورون ما يرونه عندنا وكأن الدولة متورطة فيه، سواء ما تعلق بالركبية أو الاتجار بالبشر، فلا يتورعون في التدخل في شؤوننا وتقديم قوائم بمطالب، تصغر أو تكبر حسب الظروف، فنفهم مرة أخرى سياسة الكيل بمكيالين وسياسة التدخل السافر والصفيق تحت شعار حقوق الإنسان، وكأن هذه الحقوق منتهكة عندنا وليست كذلك عندهم، ما يدعونا ليس للحذر من سياسات واشنطن فحسب، بل منعها وبقوة من مثل هذا التدخل، الذي إن مر اليوم فسيكون غداً بطريقة أكبر وأعمق وأميركا لا تحتاج إلى أسباب للتدخل، لأنها إن لم تجد سبباً فبإمكانها أن تصنع هذا السبب في أي وقت.
كيف العمل إذاً مع مثل هذه السياسة الأميركية؟ دبلوماسياً لا أملك حق الإجابة، فذلك متروك لذوي الشأن يتعاملون مع هذه السياسة بالطريقة التي يرونها مناسبة ولصالح المصلحة الوطنية، وإن كنت أعرف مسؤولين ردوا دبلوماسيين أميركيين على أعقابهم حينما أراد هؤلاء التدخل فيما لا يعنيهم، لكنني كإعلامي أرى أن مزيداً من الشفافية في وسائلنا الإعلامية وفي طريقتنا في صياغة الأخبار ونشرها، كفيل بمنع مثل هذا التدخل الإعلامي من ناحيتهم، وكفيل كذلك بالرد على تقاريرهم وحملاتهم الإعلامية المغرضة. غير أن الشفافية لا تصنعها الصحف وحدها، وهي تتطلب قدراً عالياً من الشفافية من قبل المسؤولين أيضاً عند التعاطي مع الإعلام الوطني، فبدلاً من الهروب من الحقائق والأخبار حتى ما تعلق منها بموضوعات قد نراها شائكة، واللوذ بالصمت عنها، فإن الكشف عن هذه الأخبار من مصادرها الحقيقية مزودةً بالحقائق والوقائع أفضل ألف مرة من سياسة الصمت، أو من سياسة رد الفعل عليها، خاصةً حين تأتي من مصادر أجنبية نعرف سلفاً أنها تعمل لأجندة خاصة.

عبد الحميد أحمد

جريدة الاتحاد

الإثنين 4 يوليو 2005