عبد الحميد أحمد

… والإعلام الأجنبي في بلادنا يساهم أيضاً في التمكين الأجنبي!

على ذمة إحدى المجلات الأجنبية التي تصدر في بلادنا، (تايم آوت دبي) يصفنا أحد مديري التحرير في صحيفة كبيرة في واحدة من دول مجلس التعاون الخليجي، دون أن تسميه، مما يجعلني أشك في صحة الكلام، يصفنا نحن الصحافيين في دول التعاون، وبالطبع نحن في الإمارات جزء من هذا الوصف بالضرورة، بأننا “عاهرات الحكومة”، إننا نفعل ما تقوله لنا، صورة للرئيس على الصفحة الأولى يومياً، وأخرى – أصغر حجماً بالطبع- لوزير الإعلام على الصفحة الثالثة”.
وبعيداً عن اعتبار أن الكلام السابق هو تدخل سافر في شؤوننا الوطنية، حيث يأتي في سياق موضوع طويل عن حرية الصحافة في الدولة، تنشره المجلة ويمر مرور الكرام، دون أن يثير حفيظة أي منا، فإن صحيفة يومية أخرى ناطقة باللغة الإنجليزية (الخليج تايمز) تعيد نشره وتكراره نقلاً عن المجلة، ما يذكرني بكرة الثلج التي تبدأ صغيرة ثم حين دحرجتها تكبر فتكبر، ويمكن على هذا السياق أن كرة الثلج التي تتدحرج فتكبر فتصفعنا بها مثل هذه المجلات أن تصل مع الوقت إلى الحد الذي لا يمكننا من منعها أو مواجهتها تحت شعار حرية الصحافة وحرية الكلمة، التي قد تستخدم في يوم ما ضد مصالحنا الوطنية، فلا يعود من حقنا قول شيء ضدها، في غدٍ تصطف فيه قوانين العولمة لصالح الأجانب العاملين في بلادنا، لا لصالحنا.
وليس عندي اعتراض على ما يمكن أن يقوله أي صحفي، لكن النشر موضوع آخر، في مجتمع لديه من القيم والعادات والمصالح الخاصة، فيصبح النشر هنا متعارضاً مع هذه القيم والمصالح، والمحزن ليس النشر وحده، بل النشر في داخل الدولة، بتصاريح نقدمها للشركات الأجنبية وبتسهيلات منا، لكي ينتقل ما يقال عنا خارج البلاد سابقاً إلى داخل البلاد، فيكون الغزو هذه المرة من الداخل والضرب في مصالحنا من الداخل.
في السياق نفسه تنشر مجلة جديدة أخرى (! F O ) بوستراً لامرأة عريها زاد عن الحد المألوف في قواعد النشر عندنا، فتعترض جهة الترخيص بكلام مؤدب على مثل هذا الاختراق لحدود ثقافتنا وعاداتنا، لتجد رداً قوياً من مديرة تحرير المطبوعة بأن نشر مثل هذه البوسترات سوف يستمر، لأن سياسة تحرير المجلة تقوم على مثل هذه الصور، نعم الصور نفسها التي نراها في مجلات وصحف غربية من طراز التابلويد، صور نساء عاريات كل يوم، كطعم لجذب القراء.
ونسأل: هل فعلاً صرنا في عصر الانفتاح إلى هذا الحد الذي نقرأ فيه كلاماً بذيئاً ونرى فيه صوراً أكثر بذاءة تنشر في مجلات وصحف تصدر في بلادنا؟ ولن نتحدث عن مجلات صار نشر قناني النبيذ والترويج لها ضمن سياستها التحريرية والإعلانية، لنعيد السؤال بطريقة أخرى: هل يمكننا كصحف وطنية أن نفعل الشيء نفسه لكي نقف في ميدان المنافسة على القراء نداً لها، أم أن بيت الشعر، “أحرام على بلابله الدوح… حلال على الطير من كل جنس”، سوف ينهض متحدياً وصارخاً حينما يتحول هذا البيت الشعري الشهير إلى حقيقة تواجهنا كصحفيين مواطنين وكصحف وطنية؟
نحن مع حرية الرأي وحرية الصحافة بلا حدود، سوى حدود المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقنا. وإذا كان مسموحاً لغيرنا أن يتجاوز هذه المسؤولية على ترابنا الوطني، فإن ثمة خللاً كبيراً يظهر جلياً للعيان، بين الصحف الوطنية وتلك التجارية، التي دخلت عن طريق المناطق الحرة، فصارت تنافسنا لا على حصة الإعلانات فحسب بل على القراء حين تزاود علينا وتفتح الباب للنشر على مصراعيه من دون حدود وسقف، ما يجعلني أعيد مرة أخرى فكرة التمكين الأجنبي مقابل عدم التمكين الوطني، نظراً لخلل في الرؤية والتشريع والقوانين وحتى الخلل في مقدار ما نفتح من أبواب تحت ستار جذب الاستثمارات الأجنبية، التي يعد اليوم الاستثمار في صناعة الإعلام والترفيه جزءاً رئيسياً منها. وإذا علمنا أن الأجانب اليوم يشكلون ما يزيد على 80% من السكان فإن الرأي العام الأجنبي غداً والذي تصنعه اليوم مثل هذه المطبوعات، اليومية والأسبوعية والشهرية، سوف يكون ضاغطاً لمصلحته، والتي هي ليست بالضرورة تتفق أو تنسجم مع مصالحنا الوطنية، سواء ما تعلق منها بالقوانين والتشريعات والسياسات، أو حتى ما تعلق منها بالعادات والأخلاقيات فأي خلل أحدثناه لأنفسنا وأي مصيبة صنعناها بأيدينا سوف تفاجئنا غداً حين لا يفيد ندم وبعد فوات الأوان؟
وبما أن الكثرة تغلب، فإن الرأي العام الأجنبي، وهو الأكثر، سوف يكون غالباً، مقابل الرأي العام الوطني، الذي للأسف يتضاءل، لا بحكم أننا الأقلية فحسب، بل بحكم أن إعلامنا الوطني ليس بمقدوره اختراق هذه الكتل الأجنبية لتوجيهها، وإذا تمكن، فإن صورته مقابل الإعلام الأجنبي الذي ينقل ثقافات هؤلاء الأجانب، لن تغدو عند هؤلاء الأجانب سوى صورة من الماضي، لا تمت إلى العصر بصلة ولا إلى همومهم واهتماماتهم، التي تعبر عنها صحفهم ومطبوعاتهم ومقالاتهم، بما يسمح لها من حرية أو فلتان..
هي معضلة فعلاً من صنعنا لا من صنع غيرنا، نضعها بين يدي صحافيينا وإعلاميينا الوطنيين.

عبد الحميد أحمد
جريدة الاتحاد

الإثنين 20 يونيو 2005