في الحارة كما صوّرها نجيب محفوظ، لا يحتاج الفتوة إلى قانونٍ مكتوب. يكفيه عصاه الغليظة، وصوته الأجش، وذاكرة الحارة التي تعوّدت أن ترى القوّة حقًا، والضعف ذنبًا. هكذا تُدار العدالة هناك: من يملك السطوة يكتب الحكم، ومن يعترض يتعلّم الصمت. وإذا خرج صوتٌ من بين الأزقّة يسأل: «وأين القانون؟» جاءه الردّ ساخرًا: «القانون هو ما نقوله الآن».

حين يُثار الحديث عن اعتقال رئيس دولةٍ مثل نيكولاس مادورو، لا يعود السؤال قانونيًا بقدر ما يصبح أخلاقيًا وسياسيًا: من يملك حقّ الاعتقال؟ ومن يملك تعريف الجريمة؟ وهل العدالة تُصدَّر على متن حاملات الطائرات أم تُبنى بتوافق الدول ومؤسساتها؟ هنا تلوح صورة «فتوة الحارة» الأمريكية، لا كشخصٍ واحد، بل كمنظومة اعتادت أن تضع نفسها فوق السقف، ثم تطلب من الآخرين احترام السقف.
في عالم العلاقات الدولية، يفترض أن يكون القانون الدولي هو «شيخ الحارة»؛ ميزانٌ يُرجِع الحقّ إلى نصابه ويكبح جماح الأقوياء. لكن ما نراه مرارًا هو تهميش هذا الشيخ، وإخراجه من المشهد حين تتعارض كلمته مع مصلحة الفتوة. تُفرض العقوبات، تُلوَّح أوامر القبض العابرة للحدود، وتُختزل السيادة الوطنية في بندٍ قابل للتعليق. كل ذلك باسم «القيم»، بينما القيم نفسها تُستثنى حين يكون الحليف هو المتّهم.
نجيب محفوظ لم يكن يكتب عن الأزقّة فقط، بل عن الطبيعة البشرية حين تُعطى القوّة بلا محاسبة. الفتوة في رواياته يبدأ حارسًا للنظام، ثم يتحوّل—ببطءٍ مريب—إلى النظام نفسه. يُكثر من الحديث عن الفضيلة، لكنه لا يتردّد في كسرها إذا وقفت في طريقه. أليست هذه الصورة مألوفة في خطاب القوة العظمى؟ حديثٌ لا ينتهي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، يقابله تاريخٌ طويل من الانقلابات المدعومة، والحصارات الخانقة، والازدواجية الصارخة.
وإذا استدعينا رواية الحرافيش تحديدًا، تتضح الصورة أكثر. في هذه الملحمة، يرسم نجيب محفوظ تاريخ الحارة بوصفه صراعًا دوريًا بين الفتوة والحرافيش، بين القوّة العارية والناس العاديين. الفتوة يتبدّل اسمه ووجهه، لكن منطق حكمه يبقى واحدًا: من يملك العصا يفرض العدالة كما يشاء. بعض الفتوات يبدأون مصلحين، ثم تسكرهم السلطة فيتحوّلون إلى طغاة، بينما يدفع الحرافيش ثمن هذا التحوّل فقرًا وخوفًا وانتظارًا للخلاص. هكذا تبدو السياسة الدولية حين تُحتكر القوة؛ دورة تتكرر، يتغير اللاعبون وتبقى البلطجة، ويبقى الضعفاء أسرى قرارات لا يشاركون في صنعها.
لا يعني هذا تبرئة أيّ حاكم من أخطائه أو انتهاكاته. فالحارة مليئة بالخطايا، والفتوات الصغار ليسوا أبرياء. لكن الفرق بين العدالة والبلطجة هو المرجعية: هل تُحاكم الأفعال عبر مؤسساتٍ شرعية متفق عليها، أم عبر إرادة الأقوى؟ حين تتحوّل المحاسبة إلى أداة انتقائية، يفقد القانون هيبته، وتتحوّل السياسة إلى استعراض عضلات.
في نهاية المطاف، علّمنا محفوظ أن الحارة لا تستقيم بفتوةٍ واحد، مهما بدا قويًا، بل بتوازنٍ يَحُول دون تغوّل أيّ يد. وإذا كان العالم حارةً كبرى، فإن أخطر ما يهدّده ليس اختلاف الأنظمة، بل اعتياد البلطجة بوصفها «نظامًا دوليًا». يومها، لن يبقى في الأزقّة سوى صدى العصا، وسؤالٍ يتردّد بلا جواب: من يحاسب الفتوة؟