عبد الحميد أحمد

تمهيداً لأرضية مشتركة للمبادرات السياسية في الإمارات

تشير التوقعات إلى أن دولة الإمارات بدأت تعد الأرضية لإطلاق مبادرة سياسية داخلية، تقضي بالتحول إلى المشاركة السياسية، وذلك عن طريق فتح المجال لانتخاب أعضاء المجالس البلدية في خطوة أولى قد تلحقها بصيغة ما لاختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي بالانتخاب، وذلك كما يبدو للمراقبين سيكون قريباً. وبما أن مثل هذه التجربة ستكون جديدة تماماً على شعب الإمارات كما كانت جديدة على غيرنا من الشعوب، فإن هناك من المعاهد والمنظمات المتخصصة التي يمكن الاستعانة بها في وضع التشريعات والآليات والإجراءات والإعداد لمثل هذه الانتخابات. فاليمن والبحرين على سبيل المثال استعانتا بالمعهد القومي للديمقراطية في واشنطن، كما أن هناك خبرات عربية أيضاً يمكنها المساعدة.
ولا شك أن مثل هذه المبادرة المنتظرة من السلطات الاتحادية العليا سوف تقابل بالاستحسان والرضا من قبل شعب الإمارات، الذي أعدته القيادة عبر سنوات لمثل هذا التحول السياسي، عن طريق الاهتمام بالتعليم والثقافة ودعم مؤسسات المجتمع المدني كالجمعيات الأهلية، وعن طريق إشراك الأجيال الجديدة المتعلمة من شباب وشابات الوطن في العملية السياسية التنفيذية بتمكينهم من تبوؤ مراكز عليا في دوائر صنع القرار.
كما أن مثل هذه المبادرة ستكون تتويجاً لسنوات من العمل الدؤوب والخلاق، لبناء إمكانيات نهضة اقتصادية واجتماعية حقيقية في دولة الإمارات، كالبنية التحتية التي لا مثيل لها في دول الشرق الأوسط، وكالنهضة الاقتصادية التي جعلت اليوم الإمارات واحدة من أقوى الاقتصادات في العالم العربي، والمستقبل يبشر بالمزيد، خاصة مع انفتاح القيادة السياسية الشابة في الدولة على العالم الخارجي وعلى مستجدات الأوضاع، ما يتطلب الاستجابة السريعة لتحديات هذه الأوضاع والشروع في إجراء تحولات تدريجية معقلنة تجعل من أركان النهضة في الإمارات مكتملة القواعد من نواحيها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
والمؤشرات على بدء مرحلة جديدة في الإمارات تنحو إلى توسيع قاعدة المشاركة واضحة، منها على سبيل المثال، إعلان غرفة تجارة وصناعة أبوظبي عن انتخاب الأعضاء لأول مرة، وكذلك إعلان معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم ورئيس هيئة الرياضة والشباب مؤخراً عن تشكيل الاتحادات الرياضية بالانتخاب، ما أوجد صدىً واسعاً لدى الأوساط الرياضية وغيرها من متابعي الشأن العام. كذلك فإن إعلان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، عن قرب اختيار أعضاء المجالس البلدية في الشارقة بالانتخاب، يأتي ضمن هذا السياق.
هذه المؤشرات التي صدرت من مصادر عالية المستوى توحي أنها تجد مباركة من القيادات السياسية في البلد، التي من الواضح أنها لن تتردد كثيراً في اتخاذ المزيد منها، بحيث تتيح للمجتمع المحلي تحولاً مهماً في اتجاه تحقيق وإنجاز المشاركة التي نص عليها دستور الإمارات.
وإذا كان الإعلان عن تشريع بانتخابات بلدية بات وشيكاً، فإنه من الملائم الأخذ في الحسبان تجارب دول قريبة وشقيقة سبقتنا إلى مثل هذه الانتخابات، كالكويت والبحرين وقطر والسعودية، لأخذ إيجابيات تلك التجارب وتجنب سلبياتها، والفرصة أمامنا متاحة أكثر من غيرنا للبناء على تلك التجارب لا على استنساخها.
وأول ما قد يتبادر للذهن، هو ضرورة إشراك المرأة في هذه العملية، ذلك لأنه في داخل هذه العملية يتم تدريب المواطن، ذكراً أم أنثى، على تحمل مسؤولية المواطنة، كما يتم التدريب العملي على صناديق الاقتراع وعلى الحق في الترشيح وممارسة حق الإعلان والدعاية الانتخابية ووضع الأولويات وغير ذلك مما تقتضيه عادة كل تجربة ديمقراطية.
كذلك فإنه لابد عند الحديث عن أية انتخابات العمل على تحقيق نزاهة هذه الانتخابات وضمان تكافؤ الفرص فيها، ومن هنا فإن ظاهرة مثل ظاهرة الخيام والذبائح وما يتبعها من شراء الأصوات، كما حصل في إحدى التجارب الخليجية، ستكون مناقضة لمبدأ تكافؤ الفرص، وإن كان وعي الشارع ووعي الناخب جديران بصد مثل هذه الظاهرة. إلا أن الوعي وحده في المراحل الأولى من مثل هذه العملية لا يكفي، وربما لا يكون متوفراً أيضاً، ما يستوجب من التشريع أن يحول دون بروز مثل هذه المظاهر.
وبما أننا بصدد الحديث في هذه المرحلة عن انتخابات بلدية، فإن المفهوم لمثل هذه الانتخابات أن تجلب أعضاء “خدميّين”، أي يشاركون الرأي في تطوير الخدمات البلدية المقدمة لمناطقهم ولتطوير هذه الخدمات وعلاج مشكلاتها. وعليه فإن الانتخابات وحدها لا يمكن أن تضمن أعضاء على علم وكفاية ودراية وخبرة بمثل هذه الخدمات، مثل خدمات الطرق والمجاري والإسكان والمواصلات والمرور والأسواق والحدائق، وغير ذلك من الخدمات العامة التي عادة ما تقدمها البلديات وتقوم عليها.

عبد الحميد أحمد
جريدة الاتحاد

الثلاثاء 26 ابريل 2005

()