عبد الحميد أحمد

في اليوم العالمي للصحافة: حالة صحافة الإمارات بين فيروس الرقابة الذاتية وغياب قانون الحماية

على مدى عامي 2003 و2004 أشارت التقارير الدولية حول الحريات الصحافية في العالم، إلى أن الوضع الصحفي في دولة الإمارات أفضل من غيره من الدول العربية الأخرى، حيث لا يوجد صحافيون معتقلون أو مطاردون، غير أن التقارير لا تضع دولة الإمارات في صنف الدول الحرة من ناحية الصحافة، بل في صنف الدول غير الحرة، حيث إن جميع الدول العربية تأتي ضمن هذا التقييم فيما عدا الكويت التي جاءت في خانة الدول شبه الحرة.
لماذا مثل هذا التناقض يا ترى؟ الإجابة نجدها في التقارير المشار إليها نفسها، ذلك لأن الصحافة في الإمارات، حسب هذه التقارير، تعاني من الرقابة الذاتية، أي رقابة الصحافيين أنفسهم المسبقة على أعمالهم وتقاريرهم وكتاباتهم الصحفية، وتقول هذه التقارير إن فيروس هذه الرقابة ينتشر أكثر بدلاً من أن ينحسر، مما يعطل الصحافة عن القيام بدورها في البحث عن الحقائق والاكتفاء بدلاً من ذلك بالقيام بدور ناقل الأخبار وناشرها كما هي، بدلاً من متابعتها وتحقيقها والتعليق عليها سلباً أو إيجاباً، وبدلاً من البحث فيما وراء هذه الأخبار لتقديم معلومات وتحليلات أكثر للقراء عنها.
وهذا الكلام، أي المتعلق بفيروس الرقابة الذاتية في صحافتنا الوطنية، صحيح مئة في المئة، وهو أمر نشأ وترعرع مع عدم وجود قانون يحمي الصحافيين ويوفر لهم حق الحصول على المعلومات، وممارسة دورهم الحقيقي كباحثين عن الحقيقة، فقانون المطبوعات والنشر الصادر عام 1980 يكبل مثل هذه الحرية بمجموعة من المحظورات والممنوعات، وبمجموعة أخرى من البنود العامة التي يمكن تفسيرها بأكثر من وجه، ما يجعل الصحفي يعمل في حالة غموض من هذه البنود التي يمكن استغلالها ضده في المحاكم. وعدم وجود صحفي أمام المحاكم، إلا في حالات نادرة، ليس حالة صحية، بل دليل على صحة أن الصحفيين يؤثرون السلامة، وهم يفعلون ذلك لأنه ليس هناك قانون يحميهم، كما أنه يمكن أن نضيف عاملاً آخر زرع فيروس الرقابة الذاتية في صحافتنا، يعود إلى تعدد مرجعية الرقيب الخارجي، الذي لم يكن في يوم من الأيام وزارة الإعلام والثقافة وحدها، وهي المعنية بتطبيق القانون، بل إلى مرجعيات عدة، بعضها محلي وبعضها اتحادي، وبعضها ضمن نسيج المجتمع نفسه، القائم على منظومة خاصة من العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية والدينية، فكثيرا ما جاءت الشكاوى ضد الصحف والصحفيين، لا من متضررين مباشرةً من النشر، بل من جهات اجتماعية ودينية وقوى اقتصادية وثقافية، ومن وزراء مباشرةً ومديرين وموظفين عموميين، وكلما كان نفوذ هذه الشرائح والأفراد أقوى، كلما تضرر الصحفي أو الصحيفة من أي جرأة معقولة لاختراق السقف المتاح، حتى في حدود القانون نفسه. كذلك، فإن هذه الرقابة الذاتية لم تصيب الصحافيين وحدهم في مقتل، بل إن عدواها انتشرت بين المسؤولين أنفسهم ومصادر المعلومات، سواء كانوا بالقطاع الحكومي أو الخاص، ذلك لأن الواحد منهم يخشى التصريح والحديث مع الصحافة والرد على استفسارات الصحافيين وأسئلتهم في قضايا معينة خوفاً من غضب المسؤول الذي يعلوه في المركز، وهكذا، فإن الشفافية المفترضة وتدفق المعلومات المطلوبة صارا عرضةً للإخفاء والتستر، وأصبح نشر المعلومات عند الحصول عليها من قبل الصحافي بطريقته الخاصة فرصة لمثل هذا المسؤول للغضب من الصحفي والصحيفة وتهديدهما.
وعملياً، وللحقيقة والتاريخ، فإن قانون المطبوعات والنشر لم يعد وحده المعوق أمام انفتاح الصحافة وحريتها، ذلك لأن الواقع المادي والإعلامي تجاوز هذا القانون كثيراً نظراً لما طرأ من تقدم تكنولوجي ومعلوماتي مذهل في العالم، عن طريق الإعلام الفضائي والإلكتروني المفتوح، الذي جعل أي رقابة مسبقة على الإعلام والنشر ضرباً من الماضي، كما أن التحكم في الإعلام اليوم عن طريق قوانين تحد من حرية النشر والتعبير والحصول على المعلومات لا تتسق مع ما يسمى الموجة الثالثة من الديمقراطية وشيوع الحريات العامة التي تجتاح العالم، وكل هذا ولله الحمد يعيه المسؤولون والقيادات السياسية المسؤولة عن الإعلام مباشرةً، وعلى رأسهم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، وزير الدفاع، الذي أطلق عدة مرات دعوات صريحة لمزيد من الحرية للإعلام، وكذلك فعل سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الإعلام والثقافة، الذي ومنذ لحظة تسلمه مقاليد الوزارة نعى الرقابة على النشر في ظل الثورة المعلوماتية ودعا الصحفيين مراراً لاستخدام الهامش المتاح لهم من الحرية بأكثر مما تم استخدامه حتى الآن، غير أن الجبهة الصحفية ظلت هادئة ولا تزال الآن، هنالك محاولات جادة لإعادة النظر في قانون المطبوعات واستصدار قانون جديد للصحافة يمنح الصحافيين حريات أكثر. كما أن هناك محاولات حثيثة لإحداث تغيير في المجتمع باتجاه إطلاق مبادرات للمشاركة السياسية، وهو تحول لو حصل، فإنه الضامن الأكبر لمزيد من الحرية للصحافة، إذ في قلب العملية الديمقراطية وحدها تتطور الصحافة وتنال حقوقها المشروعة .

عبد الحميد أحمد
جريدة الاتحاد

الثلاثاء 3 مايو 2005

()