عبد الحميد أحمد

أحاديث عن الديمقراطية في الإمارات…كيف ومتى ولماذا؟

تدور أحاديث عن المشاركة السياسية في الإمارات وتطوير دور المجلس الوطني الاتحادي، وقد انتقلت هذه الأحاديث إلى صفحات الصحف وتعليقات الكتّاب المواطنين وفي الندوات التي تنظمها هذه الصحف كجزء من مادتها ونشاطها التحريري.
مثال ذلك المقالات التي كتبها الدكتور خليفة بخيت الفلاسي والدكتور عبد الخالق عبد الله، كان الأول قد طالب بمكافأة الشعب على صبره وجهده وولائه، وذلك بتطبيق نص في الدستور يسمح بإجراء انتخابات لأعضاء المجلس الوطني. ودعا الثاني إلى ملاحظة ما يحدث من حولنا من تغيرات إصلاحية لجهة إقرار المزيد من المشاركة الشعبية على نحو ما جرى في السعودية من انتخابات بلدية وفي انتخابات البحرين البلدية والبرلمانية. وما بين الرأيين ثمة آراء أخرى ظهرت في هذه المنتديات لتصب في الاتجاه نفسه،لاحظ بعضها أنه حز في نفوس أبناء الإمارات أن تجري انتخابات للعراقيين على أرض الإمارات فيما المواطنون محرومون من مثل هذه المشاركة.
يمكن لمثل هذه الأحاديث والمطالبات أن تتطور، وهي تأتي على شكل هادئ يؤكد على نضج أبناء الإمارات السياسي وعلى حرصهم أيضاً على تطوير التجربة السياسية لاتحاد الإمارات، بما يكرس تلاحم الشعب مع قيادته.
بالمقابل، فإن السلطات في الإمارات لم تقترب بعد من هذه الأحاديث، ولم تعلق أو يصدر عنها أي مؤشر على اتجاهات المستقبل، ويبدو أنها على نحو ما عودتنا تحب أن تعمل في هدوء ومن غير ضجيج إعلامي وعلى ذلك لاحظنا أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، الذي دشن في الإمارة قبل سنوات مجلساً تنفيذياً ثم ألحقه بمجلس استشاري، قد أعلن مؤخراً عن قرب انتخاب أعضاء المجالس البلدية في الإمارة، وهذه أول مرة يشير فيها مسؤول كبير في مرتبة حاكم إمارة إلى الانتخابات، وكان سبق لسموه أن أعلن عن تشكيلات لمجالس بلدية في مختلف مناطق الإمارة، في خطوة يبدو أنها ترتب لانتخاب أعضاء هذه المجالس بدل تعيينهم ونحو مزيد من إشراك الناس في إدارة شؤون مناطقهم من النواحي البلدية والخدماتية.
وفي تصريحات متفرقة عبّر مسؤولون آخرون، منهم سمو ولي عهد رأس الخيمة عن آمال مشابهة وعن رغبة في تطوير أدوات المشاركة، ويمكن أن نذكر في هذا الصدد أن مؤسسات استشارية تقوم اليوم بدورها، وإن بالتعيين، وبعض هذه أصبحت عريقة في تجربتها كما هو الحال مع المجلس الاستشاري في إمارة أبوظبي.
وواضح من هذه المبادرات، أن المسؤولين والحكام يستشعرون نبض الشارع الوطني فتأتي المبادرات سباقة أحياناً للمطالب الشعبية، مثال على ذلك تعيين المرأة في مناصب تنفيذية عالية، من مدير لدوائر محلية وعضوية مجالس استشارية كما هو الحال في الشارقة، إلى إشراكها في الحكومة وتعيينها كوزيرة كما في التغيير الوزاري الأخير الذي أدخل الشيخة لبنى القاسمي كأول امرأة وزيرة في تاريخ الإمارات.
وعلى مثل هذه السوابق الإيجابية، فإن الحكومات، المحلية من ناحية والاتحادية من ناحية أخرى، تستطيع أن تتخذ من الإجراءات التي تمهد للمشاركة أو أشكال منها، بما يتناسب مع روح العصر ومتطلبات التنمية السياسية والاجتماعية في دولة الإمارات، ذلك، لأنه إضافة إلى مثل المبادرات التي أشرنا إلى بعضها، فإن المشاركة تمتلك رصيداً يمكن أن يتم البناء عليه، وتمتلك جذراً في التراث الاجتماعي القبلي، وهو ما يحلو للحكومة وللمواطنين معاً التغني والاستشهاد به دائماً، ونعني هنا ما يطلق عليه ويسمى شعبياً بالديمقراطية المباشرة حيث يمكن للناس الدخول على ولاة الأمر في مجالسهم المفتوحة والوصول إليهم ومخاطبتهم دائماً وتقديم الشكاوى والمطالب والاعتراضات لهم مباشرةً، وهو تقليد قديم لا يزال مستمراً، وإن كان صعباً تطبيقه حالياً على النحو الذي كان يبدو لكثرة مشاغل المسؤولين والحكام من ناحية ولاتساع ونمو المجتمع وزيادة عدد سكانه المطرد.
ثم هناك تجربة الجمعيات ذات النفع العام والنوادي الرياضية والجمعيات الثقافية والنسائية وغيرها من المنظمات الأهلية غير الحكومية، التي قامت على أساس الانتخابات فيها وفق قوانين منظمة صادرة عن الدولة وهي تجارب رائدة، وإن كان بعضها قد شهد تراجعاً كما هو الحال في الأندية الرياضية، غير أن العودة إلى إحياء هذه التجارب بل ومدها ممكن، ويساير رغبات ومطالب الناس. ومما لا شك فيه أن التجارب السابقة يمكن أن تتسع لتشمل النوادي الرياضية وغرف التجارة والصناعة ومجالس البلديات وغيرها من المنظمات الحكومية وشبه الحكومية مع تفعيل دور ومسؤوليات الجمعيات العمومية للشركات العامة، التي انحسر بعضها في قيام مجالس الإدارات بدور الجمعيات العمومية.
وهكذا، فإن بذور التجربة موجودة والتربة خصبة لمثل هذه المشاركة السياسية والاجتماعية بل إنه مما يساعد الحكومات على تحقيق هذه المشاركة هو أن الدستور يسمح بذلك وينص عليه أيضاً.

عبد الحميد أحمد
جريدة الاتحاد

الجمعة 4 مارس 2005

()