عبد الحميد أحمد

رقص سوداني على أنغام الفيضان

السودان فيه فيضان، قالت الأخبار انه دمر عدة آلاف من المنازل وغمر الأراضي والطرقات وأتلف الزراعة، وان هناك مساعدات واغاثة من دول عربية في طريقها الى السودان، او انها شقت طريقها فعلا الى السودان المنكوب بالفيضان .

غير ان التلفزيون السوداني الفضائي لا يعتبر فيضان المياه كارثة ولا نكبة ولا هم يحزنون، حتى والسودان يتلقى المساعدات التي لم يكن في حاجة لها لولا الفيضان، لذلك فهو يذيع صورا لمياه النيل التي تغرق قرى وتسيل بين طرقاتها مع موسيقى صادحة وعلامات بشر وفرحة على وجوه مواطنين يهللون ويهزجون ويرقصون، مرحبين بالفيضان وكل دمار آخر.

والرقص السوداني يذكرنا بالرقص العربي عموما، فنحن أمة راقصة من رأسها الى أخمص قدميها، غير اننا نبقى في السودان الذي حول تلفزيونه الرسمي الضباط والجنود الى مغنين ومطربين يطلون على المشاهدين بزيهم العسكري، وشاراتهم المعدنية المتلألئة وبريهاتهم، يغنون أناشيد حماسية تدعو الى الحرب والتطوع، ما يعني ان مهمة العسكر صارت الغناء، وعلى المطربين والمطربات الذهاب الى جبهات المعارك.

ونترك العسكر لمهماتهم الجديدة التي نتمنى لهم فيها النجاح والتوفيق والنصر المؤزر بإذن الله ودحر الأعداء بأصواتهم المدفعية وقذائفهم الغنائية وصواريخهم الموسيقية، ونعود الى الفيضان الذي يصوره التلفزيون على انه نعمة ورحمة، فلا يكتفي باخفاء معالم الدمار والخسارة التي تسبب فيها، بل يضيف الى ذلك مقابلات مع مشايخ وطاعنين في السن تحول عندهم الفيضان الى فرحة عمرهم، كيف؟ فهذا طاعن في السن يتحدث مثلا وهو يتهدج يكاد يبكي (من الفرحة ام غيرها الله اعلم) عن الفيضان فيخاطب المشاهدين طالبا منهم عدم الحزن، لأن الفيضان يجلب لهم الطين الصالح للزراعة، وغدا سوف تخضر الارض تحت ارجلهم فيأكلون من زرعها هم وحيواناتهم، دون حاجة الى اي غرس، فأي نعمة بعد هذه يريدها المواطن.

وآخر يزيد عليه بصوت متحشرج يخاطب المواطنين بنعمة الفيضان فيقول لهم ان السمك سيكثر عندهم وسيسهل صيده، فيجدون فيه غذاء، وما عليهم سوى الصبر الى حين ينشرون شباكهم لصيد السمك، وهو محق طبعا لأن السمك سوف يطلع لهم في بيوتهم طالما ان مياه الفيضان وصلت اليهم، مما لا يستدعيهم الذهاب الى ضفاف النهر للصيد وتكبد مشقة الانتظار، تماما مثلما ان الطين الزراعي سوف يكون قد غمر البيوت وافنائها فيطلع الزرع في كل بيت سوداني من الفول الى قصب السكر مرورا بالصمغ واللبان والجوافة والبرتقال.

ونسبة الى التلفزيون السوداني الذي يبث برامج عن نعمة الفيضان وينقل الى العالم صورا للمواطنين المستبشرين به، فإن على الدول العربية وغيرها من منظمات الإغاثة وقف مساعداتها للسودان، لأن الفيضان لم يتسبب في تدمير مساكن لمواطنين ولا في تخريب طرق وشوارع ولا في اتلاف مزارع ومحاصيل، وان الحكومة اذا كانت قد طلبت مثل هذه المساعدات، فهي حسب برامج التلفزيون الهادرة بالترحيب بالفيضان غير صادقة، ولا تعبر عن حقيقة الموقف، مما يستدعي معه تصديق التلفزيون، خاصة انه رسمي، لولا ان المثل السوداني نفسه يقول: اذا كان المتكلم مجنونا فالمستمع عاقل، والحمد لله اننا لا نزال من العقلاء.
عبد الحميد أحمد
التاريخ: 16 سبتمبر 1998

()