على حافة النهار

على حافة النهار

فجأة انهمر المطر على الشارع المليء بالمارة والسيارات والمحلات والنساء والشحاذين. كنت مرهقاً والوسن يطرز عيني بالحرقة والذبول ودبيب النمل ينتشر رويداً رويداً حتى احتل جسدي المتعب. حين لا تنام تجد نفسك على تخوم الفراغ، أو قريباً من حافة هاوية لا قاع لها. كنت في حالة غاب معها إحساسي بالوقت وبالأشياء من حولي، إذ شعرت والمطر يصفع وجهي ويبلل شعري أنني جثة تتحرك في سيل من البشر، جثة لا علاقة لي بها، أحملها وأمضي دون أن أحسها، ولم يكن في رأسي إلا جبين مريم الذي أضاء عصر هذا اليوم في حقول من الجلنار والنرجس والنسرين، كفراشة وحيدة تتطاير في الجو الفسيح تبشر بالربيع بعد شتاء داكن. مع ازدياد هطول المطر سارع الشحاذون إلى الاختفاء تحت خرقهم وتحت مظلات المحلات، لكن أيديهم ظلت ممدودة للمارة في الشوارع، ولم تلتقط سوى حبات المطر. النساء أسرعن الخطى والسيارات استمرت تجوب الطرقات محدثة جلبة امتزجت مع شلالات الماء المنهمرة من السماء، وظللت كما كنت أسير بطيئاً كما لو أن السماء لا تمطر، وكما لو أنني الوحيد في هذه المدينة الرابضة على حافة الماء، تعلو عماراتها وفنادقها وتعج طرقاتها بالأزياء المتنافرة والوجوه الناعمة والحادة، الباسمة والعابسة، والتي أدخلتني في جوف عالم مصطخب، هلامي، ذي إيقاعات تشي بالجنون أو الغموض القادم كالمجهول، إذ في حين ترى نفسك بين نساء يعبقن بالبنفسج والياسمين تكون وليمة شهية لجراثيم الكآبة ولكائنات الليل المتوحشة تنغل في قلبك كالديدان. كان أمامي باب الفندق مشرعاً بالبهجة والأنوار الراقصة في داخله فانقذفت إليه، حيث رائحة الدفء هنا والرطوبة اللذيذة وفوح الشعور المصففة للنساء الجميلات في تشكيلات غرائبية وعطور الوجوه الحليقة للرجال المهندمين يلغي الشارع من رأسك، كأنه عالم ما ينفصل كجزيرة غَنّاء وسط بحيرة كدرة تنمو فيها الأعشاب والطحالب دون نظام. نبيلة ـ هكذا ذكرت لي اسمها فيما بعد ـ كانت وسط الحانة، أمامها طاولة صغيرة ومقعد  خالٍ ومشروب أحمر اللون في كأس أنيقة تلمع تحت نور المصابيح الخافتة، حاولت بعد أن طلبت شراباً استرجاع ما شاهدته عبر الأيام الثلاثة. في اليوم الأول كنت في مدينة خارج شهرتها الإعلامية، وفي مدار يختلف عن وجهها الدعائي ذي المساحيق الجميلة، تحفل بالطلاسم إلى حدّ الخرافة التي لا تجدها إلا في الأحلام أو لحظات فقدان الوعي والذاكرة، متخمة بالمتناقضات ، وحبلى بالأسرار المؤجلة. في اليوم الثاني داهمني إحساس، وصفته عندئذ بأنه صفيق وفاجع بعد عصور الخيبات المتوالية التي انهالت على الرأس بضربات موجعة، في أن بركاناً سيهدر في بطن الأرض الصامتة جالباً على سطحها أشعة تلمع فوق الخراب، كانت عيون الشحاذين والصغار والنساء القرويات تشع بالحزن الذي يغرس في داخلك بذور المرارة وحرقة الأسى، وخلف هذا الحزن الشفيف ثمة أشياء لا تبوح بسرها قبل أوان النضج، العيون ذاتها التي لا تستطيع أن تقف في طريقها، إذ تضج بالفرح الخاص المنسرب إليها من وراء غلالات الحزن تخفق بالمسرات الخفية كهمس الماء قبيل انبثاقه الحار في الينابيع، ولست أدري كيف أوحت هذه العيون الذابلة بتلك المشاعر رغم أنها لا تكاد تفصح عن شيء إلا عن حاجتها لدرهم أو أقل من درهم.

في لحظة مثل بؤرة الكريستال تتجمع فيها خيوط الشمس، تمتد عميقاً في التاريخ وغميقاً في الداخل اللامرئي، ترحل مثل سارية بيضاء في بحر قاتم من القرون، في تلك اللحظة السحرية تقبض على السر العظيم لتلك العيون المستكينة التي ترقب طلوع كل نهار عادي كي تخرج إلى الشوارع ذاتها لتمد أيديها، وعلى أطراف كل ليلة تعود من حيث أتت، كالهوام إلى زرائبها وبيوتها في أذيال المدينة. في هذا اليوم، الذي صار جميلاً، كانت مريم. أما الليلة الثانية فكانت نبيلة تتوسط الحانة في احتشام سيدة رائعة البهاء والوقار، لا تلتفت كأنها تمثال قديم لآلة الجمال أو الحب، خلتها تنتظر زوجها أو صديقها الذي تركها للحظات ذاهباً إلى دورة المياه ويعود، لكنها مكثت وحيدة في مجلسها الغارق في العذوبة والطلاوة لساعة أو أقل. بدت لعينيّ الظامئتين للحظة نوم مليكة لمدن الخرائب الطالعة من وهج الحريق يكلل هامتها غار المجد، وبينما رحت أسترق النظر إليها رأيتها أبهى وأشد عذوبة من النهار الطالع على قرية يعزف فلاحوها بفؤوسهم على أديم الأرض المرصعة بالحقول والخضرة والماء والطيور وأغنيات الصباح الصداحة. ليس من كلمات تستطيع وصفها على الرغم من أن آثار السهر قد خفت وبدأت الضوضاء العارمة التي احتدمت في الرأس من اليقظة المتواصلة في التلاشي فيما إحساسي بالكائنات والأشياء يعاوده الصحو. هكذا كانت فوق مستوى الوصف، وكانت موسيقى هادئة تغمر المكان الخافت الضوء بوشوشات ناعمة تساقط وروداً تتجمع في شفتيها المنفرجتين القرمزيتين كحبتين من عقيق، تلمع بينهما أسنان في بياض قمر الغاردينيا لتعيدا إليّ موسيقاها. موسيقى نبيلة. هكذا كانت، تحرك يديها ورأسها في التفاتاتها الحذرة بدقة وحسبان يليقان بسيدة في مثل هذا الحضور الجليل الساطع في مدينة تتسكع نساؤها على مشارف الجنون. أردت أن أكون عندها، هكذا شاغبني شعور داخلي جميل ومعذب في آنٍ واحد. ألتمس الصحو من وجهها المبجل بعد صفعات الأمكنة الفاسدة والأزمنة الموبوءة ومن عينيها اليقين بعد مرارة النظرات الكسيرة في هاتيك العيون المستذلة لأولئك البشر المهانين. ولعل خيالي المترنح بين بهاء الصحو ورعشة الوسن قد مضى بي بعيداً، وأن نبيلة لم تكن تماماً كما أسبغت عليها أحلامي المتعثرة من صفات، ولعلها ليست إلا أكذوبة أخرى في ركام الأكاذيب المدمرة، إذ إني حين أقدمت نحوها مدفوعاً بقوة الخيال وسألتها : “هل تسمحين؟”، مشيراً إلى المقعد الخالي أمامها، أجابت فوراً : “تفضل”. فيما ارتعشت ابتسامة أخاذة من بين شفتيها وأطلت من بحيرة عينيها المغسولتين بالصحو والهدوء نظرة كغمامة على وشك الهطول، وربما أن الحرمان من النوم قد هيّج في داخلي حريق الجسد إلى ماء امرأة كنبيلة، ودفعني إليها دفعاً سحرياً، إذ بدت للحظات خارج المشهد الباطني الرابض في أحشاء مدينة عتيقة على وشك أن تبدل جلدها أو تنهار، فنبيلة قالت “تفضل” ببساطة لم أتوقعها، وخلال عشر الدقائق الأولى كنا نتحدث في مواضيع شتى ليس فيها الوقار ولا الحشمة، فإذا بالدهشة الأولى تعلو أمامي لتسقط فيما بعد جثة هامدة صريعة البوح الصريح الذي نمَّ عن نبيلة والذي جرأني لأسألها خارج حدود الوعي الأول : “هل تصعدين معي؟” لتقول لي دون تكلف وببساطة وأدب شديدين : “بل أنت تذهب معي إلى الدار..”. وأردفت وعيناها تومضان ببريق شهي : “أخاف من رجال الأمن في الفندق”، ثم أضافت حين لاحظت استغرابي: “سنكون آمنين أكثر”. وفي السيارة، حيث كنا نجلس معاً في المقعد الخلفي سألتني : “هل أعجبتك بلادنا؟”، أجبت بسرعة دون تفكير : “مدهشة.. جميلة” ثم أضفت بعد لحظة : “ومحزنة حقاً”.

كان المطر قد توقف وأخذت الطرقات تلمع تحت أضواء المصابيح بينما طفقت المحلات تغلق أبوابها والشحاذون ينسلون إلى الطرقات الخلفية التي بدأت تغرق في ظلمة الغروب، مندفعين إلى جوف المدينة وعالمها السفلي، ونبيلة يضيء وجهها سقوط الأنوار المتلألئة فوقه والمتدفقة من إضاءات السيارات الأخرى ومن مصابيح الشارع، وأنا أرقبه بين لحظة وأخرى وأتساءل في صمت عن كيفية هذا اللقاء السريع والقرار بالذهاب معها إلى دارها دون أن أعرف بعد من تكون نبيلة، وقبيل توقف السيارة النهائي دفعت بأنظاري إلى المدينة وهي تستسلم لليلة أخرى يشرق عليها حتماً نهار آخر، ثم حاولت ترتيب أفكاري التي كانت تتقاطع وتتنافر في فوضى الحالة التي كنت عليها بين الصحو وبين النوم، إلى أن سمعتها تهتف : “تفضل .. وصلنا”. ثم جاءني صوتها مرة أخرى، ولكن كموسيقى شرقية قديمة هذه المرة بعد أن صعدنا سلماً وحالما انفتح الباب الخشبي أمامنا : “هذه أمي”، قلت “تشرفنا” مادّاً يدي إليها وعيناي اشتبكتا للحظة بعيني سيدة عجوز لا يبدو على وجهها أكثر من التعب الحقيقي وتسور عينيها هالات سوداء صغيرة تنحدر وترتفع مع الغضون في الجلد الباهت، خجلت. هاجمني خجل شديد طردته نبيله حين أحست به وهي تقول : “تفضل من هنا .. هنا الصالة”. سجادة عتيقة على الأرض وعليها منمنمات شرقية، فوقها طاولة صغيرة من الخشب المحفور، وحولها عدد من الكراسي الضخمة الخشبية المزدانة بالمخمل العنابي والمساند الوردية الصغيرة.  ثمة لوحة على الحائط فيها نهر وشجيرات وصائد طيور غربي يتوسطها مع كلابه وخيله وبندقيته، وأشياء أخرى وتحف منتشرة في الصالة هنا وهناك، ورغم ذلك شعرت أن خللاً ما في هذه الصالة، أو لعله في البيت بأكمله يمنع عني الإحساس بأنني في بيت حقيقي رغم المظاهر الأسرية، ورغم “هذه أمي” التي قالتها نبيلة. كان أمر ما غريب ومحيّر يكتنف نبيلة على خلاف مريم المشعة بالحقيقة، إذ كانت في نهار مشرق عمَّ المدينة كجبهتها العريضة الناصعة التي تقف في أحد الأجنحة في المعرض التجاري الكبير، حيث كانت خطواتي تسوقني في اليوم الثاني وقد ارتديت ملابس عادية تجنبني ملاحقة الشحاذين الذين لخبرتهم الطويلة يشمون الزائر شماً. كانت مريم ترتدي زياً مدرسياً، وبدقة متناهية رأيتها تتمعن في المعروضات، وتسجل ملاحظاتها في دفتر صغير في حجم يدها. بدت لي أنها من عالم يختلف عن تلك الأمكنة الملوثة بالهستيريا وعن عالم الفنادق الباذخ والغارق في الشهوة والفضيلة، ليست مثل أولئك الفتيات الصغيرات في “عين النسر”، إذ أخذني سائق التاكسي في الليلة الأولى بسيارته الصغيرة يقودها بين آلاف السيارات فوق الطرقات البليلة بالمطر وبالأضواء. كان يثرثر : “ما رأيك في عين النسر؟”. وحين عرف أنني أزور المدينة للمرة الأولى ضحك : “مكان جميل، سترتاح فيه”. بدا البحر على اليمين كحوت ضخم غارق في الوحل أخذ ينفث بخاراً يرتطم بحبات المطر، عند ناصية سمعته يقول : ” هذا مسجد جديد بناه أحد الأثرياء”، ثم وقبيل أن ينهي كلامه توقفت السيارة، فتح النافذة وأشار : ” هذا هو .. مكان حلو”. وبين الليلة الأولى والنهار الثاني الذي سطع فيه جبين مريم، والليلة الثانية المسربلة بالوعد الخادع لسيدة الأكاذيب كان عالم ما يرتطم مدوياً ومتصدعاً، كدويّ وتصدع القاعة الكبيرة التي دخلتها، حيث النور خافت كالغسق، وفي الوسط حشد من الألوان والأضواء والأجساد الراقصة التي يحولها كرنفال الضوء ومهرجان الصوت إلى دمى سريعة الحركة. مقاعد متناثرة في فوضى حول مناضد تلمع فوقها القناني والكؤوس والعلب وطفايات السجائر والأحزان الباردة لتلك الدمى الملوثة بالهستيريا وعذاباتها الطافحة وأفراحها الرثة. تغاريد وأصداء زائفة يزفها المكان المجذوم بالضجيج وجراثيم الكآبة وفحيح الأجساد البشرية المتورمة بعذاباتها والملتاثة بالجزع في لقمة  عيشها المغمسة في شهوات الليالي الباردة. ثمة فتية، وفتيات يتراقصن في دوامة الصخب تتقافز نهودهن المستديرة تحت قمصانهن كأفراخ اليمام البري الراعش في شتاء قارس. “اطلب بيرة وراقص فتاة تعجبك!”، هكذا همس أحدهم بعد أن مال عليّ، ثم انصرف حاملاً صينية نحاسية عليها قناني فارغة.  مريم كانت تكتب في وضح النهار، تدقق وتسجل. قالت حين اقتربت منها وشاركتها بعض الملاحظات العفوية : “هل أنت غريب؟”، ثم تحدثنا، وبعد ذلك تحدثنا طويلاً. كان جمالها مفرطاً في العادي والمألوف، وجهها من تلك الوجوه التي تراها ولا تثير فيك شيئاً. بسيطة في كلامها، تربط شعرها الأسود خلف رأسها كذيل فرس مكتنز، وتشده إلى الوراء ليظهر جبينها عريضاً كسماء صافية. ثمة شيء لا يمكن تجاهله في عينيها السوداوين، ثمة لمحات من الذكاء فيهما تشع بين حين وآخر، إذ تنتقلان من موقع إلى آخر، ومن حديث إلى غيره، ومن ملاحظة إلى ثانية، ثم إن في حديثها السهل وصوتها الناعم جاذبية ما. قالت : “اخترت هذا الجناح لأدرس منتوجاته وكيفية تصنيعها وإنتاجها”.. وحين سألتها بعد فترة : “هل تعرفين عين النسر. أمس كنت هناك؟” جفلت مثل الحمامة يفجؤها نسر جارح. قالت محافظة على أدبها الحقيقي وبنبرة جادة في الوقت نفسه : “أنتم تأتون إلى هنا ولا تعرفون إلا عين النسر”. نبيلة حين أخبرتها لم تستحسن المكان. قالت في برود : “أنا لا أذهب إليه خوفاً من المشاكل والفضائح، أفضل الأماكن الراقية مثل الفنادق..”. كانت الموسيقى العاصفة لا تزال تهدر في جنباته قبيل أن يمسني جسد أنثوي مساً إليماً. “عين النسر” الذي تحترق فيه الأعصاب والعظام وتصير رماداً آخر الليل قفر موحش، فثمة عصافير تطارد الذئاب، تستجديها أن تفترسها وتأكل لحمها نيئاً بعد أن تمص دماءها وقبل أن تلعق عظامها لعقاً شهوانياً لتتركه بعد ذلك في القفر، حيث عواء الريح والذئاب والخواء الأبدي، كل شيء هنا، حيث العصافير تلهث إلى الأفخاخ لهثاً يدفعها إليها قرص الجوع وحطام الآمال الذاوية، يهلك في سديم العبث والفناء. “خذني الليلة معك..” ورائحة عطرها المبتذل فحت في أنفي بعد أن مسني جسدها مساً. كانت تبتسم وعيناها تشرقان بالوجع المتكور فيهما. قالت غير آبهة بصمتي : “خذني معك، طفلي ينتظرني في البيت، وعليّ أن أجلب له الحليب”. كانت ترقص في عذاب وسحابة من الدمع تتورم خلف جفنيها المضرجين بالمسحوق الأزرق لتنفجر في المكان الهالك ولتهطل في الزمن الفالت من تاريخه باتجاه السراب، في الليل الضارب في العتمة والآمال المتآكلة المتصدعة، لعل زمناً آخر ينمو في الأرض ويعشوشب العالم الذي ينهار صوب الحافة بين الليلة الأولى والثانية، بعد أن يرتطم كل شيء بضده ارتطاماً مدوياً لينهض من الرماد حصان أبيض يطلع من خرائب الخرافة المقدسة، تزدان غرته بالنار يحملها إلى القمم الشماء، حيث تبصره مريم الآن يجري في الفلاة، في النهار الأبلج إلى موقعه النهائي، تاركاً خلفه “عين النسر” في غيبوبته الأليمة وصحوته المنطفئة في السراب.

هكذا شعرتها “مريماً” فيما بعد، إذ انسلخت عن محيطها الدائر في فلك العبث باتجاه الدمار، وأضافت بعد أن وضعت دفترها الصغير في حقيبتها المدرسية الخضراء : ” على كل حال.. مرحباً بك كصديق”. قلت لها، إذ كنا نمشي معاً بين الأجنحة المليئة بالمنتوجات الصناعية من حديد وملبوسات ومواد غذائية وأخرى: “أنا لست كالآخرين، لم آتِ للتسلية، إنني صحفي في مهمة تتعلق بالمعرض”. فوق الشواطئ تتهتك الباريسيات، وفي الشوارع تلهث أشباههن خلف العطور والأزياء في واجهات المحلات كما يلهث الشحاذون وراء المارة، والعصافير وراء قناصها، ومريم تخطو ببطء لتحقق انفصالها ودخولها الكلي إلى عالمها الخاص، كذا أوحت لي ملاحظاتها حين تحدثنا عن الصحف  والمدارس والطلبة والمعارض، قالت : “أتعرف حتماً أنت تعرف ما دمت محرراً اقتصادياً..”، وأضافت بعزم “إن النمط الاقتصادي الذي أريد أن أكتب عنه بحثاً يثير الإعجاب، ولهذا اخترته كمادة للكتابة”، واستطردت دون تردد : “ثم إني أعتقد أن فيه شفاء للناس أجمعين”، فضحكنا معاً، ضحكت مريم كثيراً فأطلقت في الفضاء حقولاً من صحو بهيج يطير فيها الفراش والزنابق والنوارس وأقمار صغيرة. كانت تتحدث بثقة أكبر من عمرها، وكان إصرارها على مقابلة دهشتي أو صفاقتي ربما، بضحكات رنانة وبابتسامات ذكية لتلميذة تفكر في حماس نادر مصدرها ثقة لا نظير لها مصدر إزعاج لي، أو لعله خجل كالذي فاجأني حين قالت نبيلة: “هذه أمي”، وكالشعور الذي سمّرني، إذ اشتبكت عيناي المهدودتان بعيني سيدة لا يبدو على وجهها غير التعب.

لم تكن مريم تلمع كتمثال لسيدة رائعة الجمال انفلتت من غور التاريخ كما كانت نبيلة فاشتهيت أن أكون عندها، وها أنذا الآن في بيتها، حيث تجلس حذائي على كنب خشبي طويل، وأمامنا أنواع من المشروبات والمأكولات، وتحيطنا أساطير الشرق كله، قالت نبيلة بعد أن عرفتني على أمها وبعد أن دبت إلينا طفلة صغيرة في ثياب النوم تدعك بيديها عينيها الناعستين : “هذه ابنتي أليست جميلة مثلي؟”، لكن الطفلة علا صياحها، ونبيلة تهرج لها : “لا يا حلوة.. هذا بابا. ألم تعرفيه؟”، ثم صرفتها إلى الداخل والتفتت: “لماذا أنت ساكت .. هل تريد حشيشاً؟”. كانت مثل موج البحر، يدوي، إذ يرتطم بالشاطئ، ثم يهدأ ليدوي من جديد. أدارت جهاز التسجيل وتدفقت أغنية عاطفية، قلت : “كلا لا أحشش. أحب الموسيقى فقط”. ولم أكن ساكتاً، إذ كنت ألملم هذا المزق المتناثرة كي لا تضيع في غبش النوم ولأشكل منها علاقة ما.

كان رأسي يدور في صمت. ونبيلة تقول “حسناً. سنكتفي بالشراب”، ثم نهضت بقامتها المديدة، ورقصت في ثوب يشف عن جسدها الأبيض عن ملابسها الداخلية. كانت تتمايل في هدوء، مع الموسيقى الدافقة وتضحك، تبتسم وتثرثر، وكانت عيناها يفيض منهما الإغراء يزيده توهجاً الكحل الأسود الذي يحيطهما كإطار حاد ومرسوم بدقة، رفعت شعرها الغزير بيديها فظهر شعر خفيف تحت إبطيها المائلين إلى السمرة، ثم تركته يسدل كشلال من خيوط حريرية ويغطي كتفيها وظهرها العاري، جلست ملقية بيدها اليسرى على كتفي.. قالت امرأة في “عين النسر”: “خذني معك”. في الليلة الثانية كانت نبيلة معي في بيتها، وعذاب السهر الذي خفت في البدء شيئاً فشيئاً بدأ يشتعل من جديد وبدأ الإرهاق يهبط ثقيلاً كالليل الذي يوغل في المرارة يزيده ثقلاً ولزوجةً، أحاديث نبيلة وثرثرتها التي تقص فيها قصصاً لا نهاية لها، إحساسي بالوقت والأشياء الأخرى يغوص في الجثة التي قذفت بها هذا المساء إلى بار الفندق، إذ كانت جحافل من النمل تدب إليها، لا شيء إلا هذه الأكاذيب التي ترويها نبيلة بين حين وآخر منذ التقيتها قصة فقصة، في البدء قالت إنها من مدينة أخرى وإن أباها ضابط كبير وهي هنا في زيارة لأمها المنفصلة عن زوجها، ثم قالت بعد حين، بعد كأسين ورقصة، إذ كنا وحيدين في الصالة إنها زوجة لثري يعيش في الخارج، وإنها مسافرة غداً إليه، وفي آخر الليل، إذ رقصت كثيراً، وكانت حبات العرق تلمع فوق جسدها، جلست تبكي، بكت كثيراً، ثم قالت ناحبة وقد غامت عيناها خلف ضباب الخمر : “ماذا أصنع، إن عليّ أن ألبس ثياباً فاخرة وأكون حسنة المظهر أليق لكوني فتاة ثرية”. وبعد شهقات متقطعة واصلت : “كل شيء هنا يزداد غلاء وعليّ أن أكون ثرية كسيدات المجتمع”. ثم بكت، ودخنت كثيراً، ثم فجأة صمت هديرها. ضحكت.. وقالت “لا علينا، الليلة دعنا نفرح…”. وأدارت جهاز التسجيل مرة أخرى وهي تقول : “في صحتك” . على باب المعرض، قالت مريم: “لعلك رأيت كل شيء في المدينة.. هذا المعرض كما تعرف يقام سنوياً” ثم أضافت : “كل شيء مفتوح لجلب الدولار”. لم أعلق، وواصلت الاستماع إليها حتى النهاية، قالت باسمة : “حسناً هل أراك قبل أن تسافر؟”. وحين وضعت يدي في يدها مودعاً بعد أن أعطيتها العنوان شعرت بحرارة يدها الصغيرة، وكانت عيناها تندفعان صوب البحر. أضافت : “انظر .. هناك الميناء أبي يعمل هناك، سأمر عليه لأصحبه إلى البيت بعد انتهاء عمله” ثم قالت : “عليّ أن أنصرف مبكراً، فبيتنا خارج المدينة .. على  الطرف الشرقي”، ومشت إلى حيث الميناء، وتابعتها حتى غابت مع الجموع من المشاة على الأرصفة. هبت ريح باردة، ثم فجأة انهمر المطر على الشارع، حيث السيارات والمارة والشحاذون والنساء، وحيث كنت أمشي تاركاً المطر يبلل رأسي لعله يطفئ حرارة النعاس الذي اشتعل لهيبه في الرأس. كنت أسير ببطء كما لو أن السماء لا تمطر هذه اللحظة، وكما لو أنني الوحيد في هذه المدينة الرابضة على حافة الماء حاضنة سفالاتها وشحاذيها وفقراءها وطلابها ومومساتها ورجال أعمالها وعمالها وأحزابها ومؤسساتها في اصطخاب مضطرم، كأنها على فوهة بركان سينفجر في وقت ما عند اكتمال دورة الفرح رغم الحزن الفاجع في عيون النساء  والفقراء السارحين بأسمالهم تحت المطر الذي دفعني إلى الفندق، حيث كانت نبيلة تجلس في وقار سيدة مدن الخرائب الطالعة من الحريق مكللة بغار المجد، وها هي الآن ترقص مكللة بالليل والأكاذيب والفناء، لا كسيدات “عين النسر” الفاضلات، لا كمريم التي تشع عيناها بسحر جميل يترقبه البشر الحالمون على أطراف المدن وهم يصنعون من مساءاتهم الحزينة خيوطاً لنهارهم المرتقب الجديد تلمع فيه شمس أبدية السطوع. ترقص وتدخن وتثرثر دفعة واحدة في هذيان لا حدود له : “نعم عليّ أن أكون كالأثرياء …” تقول بحقد وتضيف في خضوع: “وإلا عليَّ أن أكون فقيرة حتى العدم… هذا مخيف”. وفي غرفتها همست بانكسار : ” أتعرف الصغيرة التي رأيتها، إنها ليست ابنتي.. هي ابنة أختي”. كنت، إذ كانت تنزلق فوق سفوح هذياناتها الليلية، صامتاً في لحظة يشرخها النوم واليقظة، إذ يحتشد النعاس على بوابات الصحو، لا يهمني من أحاديثها الكثيرة  وأقاصيصها التي لا فاصل فيها بين ما هو حقيقي وبين ما هو غير ذلك إلا إغفاءة أو بعضها أنالها كي أدحر هذا العناء المدجج بالسهاد. عادت تقول وهي تخلع ملابسها : “غداً سأسافر، سألحق بزوجي الثري” ثم وهي تندس في الفراش بعد أن خلعت أقراطها الذهبية، أضافت : “زوجي يملك عمارتين، كتب إحداهما باسمي”، وإذ مالت نحوي جاءتني أنفاسها اللافحة تعبق بالتبغ والخمر ورائحة الليل الميت، بينما جسدها الذي لامس جسدي كان بارداً كقطعة من خشب بللته الرطوبة، ولحظة أن غمرتني موجة من الإغفاء الشهي سمعتها تبكي، ثم قالت وهي تنتحب قبل أن أغرق في النوم تماماً : “أبي مشلول وعليَّ أن أدفع مصاريف تعليم أخوتي…”. وغاصت في فجيعتها إلى القاع، ناحبة قالت “كلهم يكذبون علينا.. كل شيء مخادع.. حتى الأحزاب، لا أمل أبداً إلا في الضياع”. وحين أفقت لم تكن في السرير، كان الغبش يغمر الغرفة، وفي الصالة حيث سبقتني نبيلة كانت موسيقى ناعمة ترقص مع هبوب نسائم الفجر. قالت “صباح الخير، لقد كنت متعباً حقاً”. وأضافت وهي تربط شعرها خلف رأسها: “لعل الإغفاءة القصيرة أراحتك..”. ثم سمعتها تقول: “إغفاءة ويطلع النهار.. هكذا الأمر دائماً.. لعلي ثرثرت كثيراً أمس، سامحني، إنها همومي، ماذا أصنع..”. بدت لي نبيلة غريبة مجهولة مثل قصصها، لكنها مألوفة أكثر، وبدت السيدة التي كانت تتوسط حانة الفندق مساء أمس ليست إلا قناعاً لسيدة أخرى قادرة على تبرير ضياعها وترددها بين السقوط إلى القاع والصعود إلى أعلى، كانت مثل مدينتها لا تنتمي إلى شيء حقيقي، لا هوية لها، قلت لها وقد شعرت براحة بعد جرعة النوم الخاطفة : “شكراً لك على كل حال.. إغفاءة ويطلع النهار.. هكذا هو الأمر دائماً” ثم أضفت : “عليّ أن أرحل، أنا مسافر عند الظهر”. عند الباب همست لي، وجهها الذي بلا مكياج كان بائساً، إذ تعريه أشعة الصباح، صفرة تشوب أسنانها، وعيناها ذاويتان بعد انحسار الكحل، لم تكن خرافة طالعة من عمق التاريخ، لم يكن صوتها يوشوش ولا شفتاها ورداً، بدت امرأة منكسرة في مهب ريح عاتية، تغالب سقوطها المدوي إلى القاع، حيث الآخرون ينخرهم السوس، كان حزنها من نوع خاص، وآلامها أشد هولاً وفتكاً، وكانت مع ذلك بلا قلب حقيقي، بلا وجه حقيقي، خلت أن اللحم الذي يملأ جسدها ليس لحمها، وأن الدم الذي يجري في عروقها اختلسته من آخرين، وأن وجهها بين أمسها ويومها استعارته لتواجه عريها الحقيقي، إذ طارت ورقة التوت بفعل ريح الخيانة، هكذا بدت لي في الصباح بعد أن قالت : “أريد ألف درهم أخرى، عليّ أن أدفع لصاحبة المنزل.. السيدة العجوز التي رأيتها البارحة”. كذبة أخرى من أكاذيبها أو حقيقة أخرى، لا فرق، حيث هي ليست إلا كذبة ليلة مريرة وطويلة، أو أنها وهم مخاتل في ثياب امرأة مدمرة بين الحلم الكاذب والخوف الذليل، في مدينة تكشف عورتها عند هطول المطر، أو هبوب الريح، أو انفجار الياسمين في حقول الصحو بعد اندحار المساحيق والنيون والأزياء والظلمة على حافة نهار ينسلخ من مداره القديم ليدخل فلك العالم الجديد ذي الإيقاعات الضاجة بالحياة والضوء والشمس، حيث مريم تباغت ليلها باليقين والإصرار دون تردد أو خذلان تمارسه نبيلة التي قالت وهي تدس النقود في “صدارها” وتبتسم ابتسامة كاذبة : “سأذهب إلى الكوافير بعد الظهر، هل أراك الليلة، سأكون في المكان نفسه..”. وعلى السلم الذي أسلمني إلى الشارع لفحتني نسمة صباحية باردة، وكان الضجيج والحركة قد بدأت دورتها الجديدة، وتساءلت في أسف مرّ عن حقيقة نبيلة، وأي قصة من قصصها هي الحقيقة، أي كذبة هي الحقيقة، أي اسم هو اسمها، قالت بعد أن رقصت كثيراً أمس : “أنا اسمي فضيلة .. أنا لست نبيلة..”. وأضافت بعد أن أفرغت كأسها في جوفها، وبعد أن أخرجت بطاقة من حقيبة يدها ” انظر .. هذا هو اسمي الكامل.. فضيلة….” ولكن سرعان ما طردتها من ذهني، إذ لا حقيقة الآن إلا هذا الصباح الجديد المشمس، وإلا تلك العيون المستكينة في حزنها الأبدي ترقب طلوعه كي تخرج إلى الشوارع وتمد أيديها، ولكي تعود على حواف الليل من حيث أتت، وها هي الآن تمارس حياتها الاعتيادية تحت خرقها وأسمالها، لا حقيقة إلا هذا التعب الذي يحيل جسدي إلى ركام من الأعصاب المتوترة، وحيث كنت متعباً أقف في نافذة الفندق، بعد أن لملمت أوراقي وملابسي وأشيائي الأخرى، أرقب هذا النهار الآخر المطل على المدينة بين اليقظة والغيبوبة، في لحظة نادرة من الإحساس بالألم والفرح، باللذة والفجيعة،  تمتد عميقاً وترحل مثل سارية بيضاء في بحر الزمن الهادر، لحظة تضعك في معنى الوجود البشري، تقبض فيها على السر الدفين في تلك العيون الذابلة، في تلك اللحظة كانت المدينة وليمة حافلة بالأصداء والزغاريد واللافتات، هكذا رأيتها رأي العين، لم يكن حلماً، أو غيبوبة نوم، من هناك حيث الميناء الغارق في البحر الزئبقي الساكن، كانت تأتي الاصداء والأصوات وصفارات الإنذار والجلبة التي تسبق الجموع في خيط متماسك يجري كالجدول الرقراق في مجراه المحفور له ليلتقي مع جداول أخرى من الأجساد المتراصة، من حاملي اللافتات والهتافات الصاعدة إلى الفضاء الصباحي الساكن، كان التابوت محمولاً على الأكتاف المتدافعة، وعلى حافة الميناء دفع به صوب البحر الغامق ليلتهمه إلى الأبد، وفي السماء ثمة غيمة بيضاء تعتلي سماء المدينة الأزرق، كانت تضحك في جذل لا مثيل له، إذ كانت مثل جبين مريم الذي أشرق أمس من بين الركام، ليصير اليوم غيمة في حقول الضوء تعبر فوق المدينة، حيث الجلبة وهدير الأصوات وصفارات الإنذار تقذف بالنوم من رأسي بعيداً، كانت ترتدي زياً مدرسياً، تسجل ملاحظاتها، لمحات الذكاء في عينيها شعت بالحقيقة، إذ افترقنا مساء أمس، قالت : “تذكّر.. ليس كل ما تراه صحيحاً، حين يهطل المطر يتساقط المكياج من على وجه أجمل امرأة في العالم.. وكم يبدو قبيحاً عندئذ؟” ثم ابتسمت، واستدارت ذاهبة إلى الميناء بعد أن قالت : “سأحاول أن أمرّ عليك غداً، وإن غبت فاعذرني، لربما أكون مشغولة”.

وفيما بعد، إذ كانت الطائرة ترتفع في الجو كنت أنظر عبر النافذة بعينين استطاعتا دحر النعاس تماماً، لتبدو المدينة المشرقة تحت ضوء النهار وهي تبتعد شيئاً فشيئاً مدينة أخرى من المدن المتآكلة المنهارة ذات يوم، إذ لم يكن من فرق وأنا أرقبها من فوق بين أن تكون هذه أو تلك، ثمة مدينة واحدة الآن متشابهة، إذ تصغر تصغر حتى تصير نفطة لامعة كنجمة صغيرة تحت شمس جديدة تلمع كالغيمة البيضاء الوحيدة التي ظللت أراها وهي تعبر سماء المدينة، كجبين مريم الذي يحاصرني بالأسئلة المرة عن أولئك المتفرجين الكبار ويقذف وجهي الآن خذلاني وصفاقتي ومرارتي التي لا تختلف كثيراً عن خذلان نبيلة المترددة بين السقوط والصعود الزائف في مدينة تشكل في أحشائها جنينها أو لعلها تتوحم على قطعة من شمس.

هذا ما كان منذ غابت مريم مع الجموع على الرصيف باتجاه الميناء، وبعدها هطل المطر فجأة على الشارع المليء بالمارة والسيارات والشحاذين والنساء، لأقذف جثتي إلى الفندق، حيث كانت نبيلة تتوسط الحانة، ولم أكن أعرف بعد مريماً إلا كطيف جميل عابر، أو حلم من تلك الأحلام التي تداعب المخيلة في لحظات الصحو النادر ثم تتلاشى في الأكاذيب اليومية كما تلاشت نبيلة وانسحقت في عين النسر، هذا ما كان حين غرقت في مقعد الطائرة التي تحلق بي عالياً وتطوي الفضاء ولا يبقى في المدى غير المتناهي إلا غيمة بيضاء فوق المدينة التي ابتعدت عن النافذة حتى اختفت نهائياً وهي تطوي المسافة بين تاريخين من الحلم واليقظة، أو لعلها!

من المجموعة القصصية (على حافة النهار)، إصدارات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، 1992