عبد الحميد أحمد

أم الدنيا

إذا كانت مصر هي أم الدنيا، فمن هو أبو الدنيا؟

لا أحد يعرف وأشك حتى في المصريين أن يعرفوا من الذي أطلق على مصر أم الدنيا ولماذا لو جاءت التسمية من كونها ذات حضارات عريقة، فغيرها من البلدان أم حضارات تليدة، ولو جاءت من عدد سكانها الكبير وانتشار المصريين في كل مكان فدول أخرى عدد سكانها أكبر بكثير، ومواطنوها منتشرون أكثر من أبناء الكنانة كالصين واليابان والهند حتى قيل على سبيل الفكاهة إن نيل ارمسترونج وجد هندياً على القمر حين وطأه بقدميه.

لا يشغلني كثيراً لماذا مصر أم الدنيا فهي تستحق أن تكون كذلك، للأسباب السابقة وأيضاً لكونها دولة عربية في مقام القلب من وجداننا ومن وجدان كل عربي وأتمنى أكثر لو تكون أم الدنيا بحق وحقيق وليس مجرد وصف لها نقوله دون أن نعرف مصدره وأسبابه.

وما دام للدنيا أم، فلابد أن يكون لها أب وقديماً سألوا البغل من أبوك فقال الحصان خالي لكن هذا لا يعني أن أب العالم الآن حمار فهذا المسكين لا يستطيع أن يكون إلا حماراً شاء أم أبى ونحن نرى الآن شئنا أم أبينا أن أمريكا هي أب العالم وولي أمره بلا منازع ولا منافس بعد أن انسحب خال البغل من حلبة الصراع!

ووجود أب للعالم ضروري مثلما هو ضروري لكل بيت وعائلة، ولنا أن نتصور كيف سيكون العالم بلا أمريكا، آخر فوضى وفلتان وهيصة لا حد لها، فمثلاً سيكون صدام حسين لا يزال في الكويت ينقل طابوقها ورملها والكويتيون في أربع جهات الأرض بلا بيوت، لولا العلقة الساخنة التي أخذها من كروز وستيليت ولكان الأكراد الآن جثثاً على الجبال والسفوح تنهشها العقبان والضواري لولا الخيام والخبز والمياه التي نزلت عليهم من فوق، ولولا الشرطة الدولية التي حمتهم في مناطق آمنة لا تصلها أسنان البعث ولساحت أجساد إخواننا البنجاليين تحت طمي المياه والأنهار ولفتكت بهم الأوبئة والجوع لولا المعونات الأسرع من البرق التي انهالت عليهم، حتى الأثيوبيون تصوروا لو لم تطلع لهم أمريكا لتنظيم خلافاتهم لكانوا أكلوا بعضهم بعضاً ولراح الفلاشا في غمضة عين لو لم تنقذهم بسط الريح السحرية إلى أرض الميعاد، أما الصراع التاريخي بين أبناء العم، فمن سيتصدى له الآن لو لم ترسل أمريكا مكوكها بيكر إلينا مرات ومرات لفضه إلى الأبد.

أمريكا أب العالم ولا أحد يستطيع أن يعترض أو يحتج إلا إذا كان في عينيه حول أو من الذين يعيشون أوهام الماضي ولأن هذه الحقيقة واضحة كعين الديك يعرفها كل عاقل فإن رئيساً قد الدنيا مثل يوهان كراغ وبعد أن تعب من بارونات المخدرات وزعماء المعارضة الذين أوجعوا دماغه، دعا أمريكا صراحة لغزو بلاده سورينام لنشر الديمقراطية وحل مشكلاتها مثلما حدث مع بنما حين أدبت أمريكا نورييجا وأعادت إليها الهدوء والنظام، فمن يستطيع على كل ذلك غير أب قادر ومقتدر وقوي؟

وأمريكا نفسها أنثى فهي «أم ريكا» على حد اعتقاد واحد صعيدي ومع ذلك فهي بلا جدال ولا نقاش أب الدنيا اليوم وغداً وليس في كونها أنثى ما يعيب أو يمنع من أن تكون أباً، فولية واحدة «جدع» تعدل ألف ألف راجل حتى لو كانت شنباته أكبر من شنباتي!
من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.