عبد الحميد أحمد

الجمل والسكاكين

الآن أصبح جورباتشوف بلا ابتسامة ولا أسنان وأول صعوده قال عنه الغرب إنه صاحب ابتسامة لامعة وأسنان حديد، للتدليل على ذكائه وقوته في الوقت نفسه.

ومرة قال أحدهم لجاره إنه يستطيع معرفة الدجاج البلدي من الأسنان فسأله الجار: وهل للدجاج البلدي أسنان؟ فرد عليه: كلا ولكن لدي أنا أسنان!

وكان الروس يقولون إن تاج القيصر لا يحميه من أوجاع الرأس وأتصورهم الآن يقولون إن تاج «البريسترويكا» هو الذي يجلب الدوخة والآلام والصداع لرأس جورباتشوف الذي أصبح لا يستطيع أن يتذوق لا الدجاج البلدي ولا المستورد.

كل شيء في الاتحاد السوفييتي انقلب وينقلب على عقبيه، ولو كان الساحر جورباتشوف وهو وصف آخر أطلقه عليه الغربيون، يعلم أن السحر ينقلب على الساحر لما فتح جرابه وأطلق منه «البريسترويكا» و«الجلاسنوست» وأجزم أنه لا يتذكر المثل الروسي الشهير الذي يقول إنك إذا أعطيت الأعمى عينيك فإنه يطالبك بحاجبين فمن أين يأتي جورباتشوف بحاجبين ليعطيهما للشعب السوفييتي؟

السوفييت ليسوا عميان قطعاً، لكن المثل للدلالة على حالة الكبت التي رزحوا تحتها حتى حدث الانفجار، فإذا به أعظم من «بيناتوبو» فمن مجرد حرية الكلمة والمصارحة والمكاشفة وإعادة البناء الاشتراكي، إلى المطالبة بالاستقلال النهائي عن الاتحاد وبعث القوميات إلى المطالبة بالتعددية وإلغاء هيمنة الحزب الواحد على الحكم، وانتهاء بطلب التحول إلى اقتصاد السوق وحفظ الشيوعية وتعاليم لينين في متحف التاريخ إلى الأبد.

وانتخاب يلتسين رئيساً لجمهورية روسيا الاتحادية وهي أقوى الجمهوريات اقتصاداً وبشراً وثقلاً سياسياً من بين الجمهوريات السوفييتية، مؤشر عملي وواقعي على سرعة التحول في الدولة التي كانت عظمى، نحو النظام الغربي وهو ما أكدته رغبة وإرادة شعب روسيا بانتخابهم يلتسين.

والغرب هو الذي يملك الحاجبين، ولهذا فإنه يشترط، فلا مساعدات دون احترام حقوق الإنسان ولا فلوس دون ديمقراطية ولا دولارات دون سوق حرة وكان «جوربي» كما يسميه الغرب طالب بمساعدات قدرها ١٥٠ مليار دولار فجاءه الرد: خذ ١.٥ مليار دولار حالياً، فنحن لا نغرف من بحر ولدينا مشكلاتنا أيضاً!

أعرف أن هذا الكلام الذي يسبب الملل لا يحبه القراء، وأحمد الله أن ليس بين القراء شيوعيون مثل الشيوعيين العرب «العتاق» الذين يرفضون حتى الآن تصديق أن الاتحاد السوفييتي يتخلص من الشيوعية ويدفنها وأعود إلى الجد فأقول لو أن «جوربي» زارنا مرة وتعلم منا المثل القائل «لي طاح الجمل كثرت سكاكينه» لما أقدم خطوة واحدة إلى الأمام ولاحتفظ بأفكاره الجديدة لنفسه وأكثر لما أعطى عينيه لأحد لا للغرب ولا حتى لشعبه والأهم أنني لن أستطيع أن أكتب ما كتبت عن جورباتشوف وبلاده إلا بفضل «الجلاسنوست» التي أجزم أنها ستحميني من احتجاج السوفييت أنفسهم الذين لم يعد النقد بالنسبة لهم ممنوعاً كما كان أيام كان الاتحاد السوفييتي جملاً ولا كل الجمال.

… لكن السؤال من يحميني من شتائم الشيوعيين العرب؟

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.