عبد الحميد أحمد

دردشة

اليوم دردشة مع القراء:

يتصل أحدهم عند الساعة الثانية بعد نص الليل، وبعد السلام والتحية والاعتذار لأنه يتصل في وقت متأخر، يطلب الكتابة عن ١٨١، ويقول إنه يحاول منذ ساعتين الاتصال بالرقم المذكور للسؤال عن رقم البيت لكن لا أحد يجيب سوى المسجل الكمبيوتر الذي يطلب الانتظار فيطول هذا الانتظار إلى مالا نهاية فأقول للقارئ إن كثيرين من الزملاء والقراء كتبوا كثيراً عن «اتصالات» على مدى شهور وسنوات، لكن بلا فائدة فهذه تعطي الجميع أذناً من طين وأخرى من عجين وتعمل بسياسة «لا أسمع، لا أرى، لا أرد» وأية كتابة عنها لن تضيف شيئاً ولن تحل مشكلة، وعلى ذلك حاولت إقناع القارئ بأن يكون إيمانه بالله قوياً وأن يتذرع بالصبر ويسلم أمره إلى الله، وألا يشتكي لأحد بما فيهم العبد الفقير إلى الله صاحب هذه الزاوية فالشكوى لغير الله مذلة.

ولكي لا أكون مثل «اتصالات» لا تجيب ولا تستجيب فإنني سأدردش اليوم مع القراء حول هذه الزاوية وعندي كل قارئ على حق ولأن الأمر كذلك فلا أوقات محددة لاتصال القراء ولا حدود ولا تحديد كذلك لما يقولونه ويطلبونه فإذا كان القارئ من الذين يستيقظون مع الديكة والعصافير ويقرأ الزاوية في هذا الوقت فإنه يطلبك فجراً وإذا كان من الموظفين المحترمين الذين يذهبون لعملهم مبكراً عند الساعة ١١ صباحاً فإنه يتصل الساعة ١٢ ظهراً بعد قراءته للصحف طبعاً وهكذا حتى ما بعد نص الليل مثل صاحبنا الذي أرقته اتصالات ورقمها المذكور ١٨١ سامحها الله وغفر لها ذنوبها ما تقدم منها وما تأخر!

كل اتصال هو مصدر سعادة بالطبع لأي كاتب ودليل تفاعل القراء مع ما يكتبه ودليل ثقتهم فيه واكتشفت من خلال هذه الزاوية المتواضعة نماذج من المتابعين رائعين وأذكياء يلتقطون الفكرة وهي «طايرة» وآخرين على النقيض يحتاجون مع كل زاوية إلى مذكرة تفسيرية وملحق شرح وخطاب نوايا من الكاتب وعرفت أن الصنف الأول مل من الكتابات المباشرة والوعظية والخطابية التي تكثر فيها كلمات مثل: «يجب – ينبغي – لابد من – المطلوب – علينا … ان إلى آخره» ولهذا فهذا الصنف الذكي يستحسن الهمس بدل الصراخ والإيحاء بدل المباشرة، ويحب أسلوب الهمس واللمس والإشارة (بمعنى الهمز واللمز والغمز) بدل الشتم والسب والندب و«المعلمية» والتعالم والتشاطر والتذاكي إلى آخر هذه التواصيف مما يكثر في كتابات هذه الأيام وكل كاتب فيها عامل حاله أفلاطون زمانه وحلال عقد حتى لو كانت من نوع عقدة الشرق الأوسط.

أما الصنف الثاني فإنه عجول في القراءة وفي الحكم وبعض القراء من هذا الصنف، وفيهم متعلمون ومثقفون للأسف لا يحسنون القراءة من أصله ولا يحسنون الفهم من فصله، فقد عتب عليّ منهم عدد لا بأس به واتهموني بمدح أمريكا مثلاً وبذم مصر، وبالإساءة للشعب السوداني والدعاية للكوكاكولا مع أن الذي كان مكتوباً باين من عنوانه، وقد فهمه قراء الصنف الأول الذين قلنا تكفيهم اللمحة والإشارة ومشكلة سوء الفهم سوف تستمر مع هذا الصنف العجول (أقصد المتعجل لكي لا يساء فهمي هنا أيضاً) حتى يعرفوا المثل الذي يقول إن المديح الكاذب أفضل من النقد الصادق والمثل الآخر الذي يرى أن في المديح بداية الشتيمة، وعليه فإن في بعض المدح تكمن المذمة والنكاية بشيء آخر والمديح ليس كالثناء الذي أسبغناه على نماذج من البشر كسلطان العويس وعلي الديباني، فهنا ينطبق قول الحديث الشريف «من أثنى فقد كافأ» وغداً إذا قرأ لي هؤلاء مديحاً لإسحاق شامير مثلاً الذي ربما أصفه بالقمر التمام والفارس الهمام الذي لا يشق له غبار ولا ينكس له حسام فليس معنى ذلك أنني أمدحه حقاً بقدر ما أقصد النكاية والانتقام من «أبطال» آخرين من صنف منجستو وصدام!

… واللبيب بالإشارة يفهم والسلام.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.

()