عبد الحميد أحمد

محلك سر

نحن احتفلنا بعيد الأضحى المبارك، والألمان أيضاً احتفلوا بعودة برلين عاصمة للدولة الموحدة ومن يتابع الأحداث والنشاط السياسي الذي يجري في الغرب وتحديداً في أوروبا وينظر لحالنا العربي يعرف معنى القول أسرع من البرق وأسرع من الريح كما يعرف أيضاً معنى القول أبطأ من سلحفاة.

وأعتقد أن الألمان وعموم الأوروبيين لا يؤمنون بالقول الشائع «في العجلة الندامة وفي التأني السلامة» كما نفعل نحن وإن كانوا يشاركوننا في مقولة «خير البر عاجله» لذا تراهم يعجلون في ترتيب شؤونهم وأحوال بلدانهم فيعقدون الصفقات والمواثيق ويحررون عقود الزواج والوحدة، ويمضون قدماً في تنفيذ ما يتفقون عليه فيما نحن ومن باب التأني لا نستطيع حتى الاتفاق فيما بيننا وأشك في أن الرجل منا يستطيع أن يعقد مع زوجته صفقة «جنتلمان» تجنبه بموجبها صدعة الرأس أو يحرر معها وثيقة سلام دائم ووحدة مصالح مشتركة.

هذه الخواطر تسللت إليّ كما أعتقد أنها داعبت غيري من القراء ونحن ننظر إلى صور الألمان في التلفزيونات أو في الصحف وهم يبكون فرحاً لعودة برلين عاصمة لبلادهم تماماً كما احتفلوا منذ أقل من سنتين بسقوط حائط برلين الذي كان يمنع الألماني الشرقي من تقبيل حبيبته الألمانية الغربية على الطرف الآخر من الحائط.

طبعاً ولكي لا يساء فهمنا فإننا لا نبغي من هذا الكلام إزالة الحدود فوراً والسماح للمواطنين العرب بالانتقال من دولة لأخرى بلا جواز ولا نطالب بعاصمة موحدة للعالم العربي ولا بجيش واحد، ولا بقوة تدخل سريع شبيهة بتلك التي قررت إنشاءها أوروبا مؤخراً ولا بعملة واحدة، لا، لا، فكل هذه ابتدأت أحلاماً عندنا ثم تنازلنا عنها نهائياً بعد أن أصبحت كالغول والعنقاء والخل الوفي، بفضل بعض السياسات العربية التي تخصصت في التدمير والهدم وفي شنق الأحلام حتى في المنام وعلى ذلك نقول إن أوروبا العاقلة المتعقلة، لم تستطع أن تنجز ما أنجزته وتنجزه حالياً من وحدة وتكامل مصالح واندماج إلا بعد أن تخلصت من المجانين لديها من تشاوتشيسكو وهونيكر حتى رأس أصغر مجرم مخدرات ولص فنادق وموظف مرتش أما عندنا فالمجانين يسرحون ويمرحون بل ويطلقون النار أيضاً وهو التعليق الذي ساقه معلق تلفزيوني غربي على مشهد للرئيس العراقي مؤخراً حيث كان يقف على شرفة وأمامه جمهرة من الناس وفي يده مسدس يطلق منه النار، فقال المعلق: «إنه لا يزال يطلق الرصاص» وهو تعليق بليغ لا يحتاج لأي تعقيب ولا تعليق!

أما المجانين عندنا فلن نذكرهم، لأن كل واحد منكم يعرف كما أظن عدداً محترماً منهم فهم منتشرون على خارطة الوطن العربي أكثر من الهم على القلب لكن يبدو أن أحوالنا تسير ببطء لأننا نعمل بالمثل الشعبي الخليجي: «امسك مجنونك لا يجيك أجن منه» مع أنني لا أعتقد أن هناك مجانين أكثر جنوناً من مجانيننا الذين نعرف وأخطر منهم حتى نخشاهم فالواحد من هؤلاء يحتل بلداً بالقوة ويقتل جنده وشعبه ويصفق له الآخرون احتفاء بالوحدة وإلغاء الحدود، فيما هو نفسه فارس «بني خيبان» يطلق الرصاص في الهواء مزهواً!

الأوروبيون كل يوم يتقدمون ألف خطوة، ونحن لم تعد تعجبنا «محلك سر» فاستبدلناها بــ «إلى الوراء در» وهات يا تنازلات!

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()