عبد الحميد أحمد

مصانع الشهادات

وصلني هذا الأسبوع كتاب خطير عنوانه «مصانع الشهادات» وتكمن خطورته في أنه يكشف عن المعاهد والجامعات والكليات المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تمنح شهادات عليا من البكالوريوس وحتى الدكتوراه وكله بثمنه.

هذه المعاهد والجامعات حسب الكتاب بعضها يعمل بشكل قانوني مستغلاً قوانين الولاية ومتحايلاً عليها وبعضها يعمل لفترة بوجود وهمي ثم سرعان ما يختفي.

ويقول فريد هيكينجر من صحيفة «النيويورك تايمز» الذي وضع مقدمة الكتاب إنه كتب في بداية الستينات محذراً من أن هناك سنوياً الآلاف من الشهادات المزورة التي تبيعها هذه المصانع للزبائن وبعد مضي أكثر من ٢٥ عاماً لم يتغير شيء سوى ارتفاع أسعار الشهادات مثلها مثل بقية السلع.

ويضيف: إن شهادة الطب تكلف الآن ٣٥ ألف دولار، ويعد هذا ثمناً رخيصاً لما قد يجنيه المشتري عند ممارسة الطب.

أما مؤلفا الكتاب دافيد ستيوارت وهنري سبايل فيقولان إن هدفهما من وضع الكتاب الذي استغرق ست سنوات هو لجمع المعلومات عن المشكلات التي تهدد كرامة وصدق الشهادات القانونية للجامعات كذلك فإن الكتاب يساعد القراء في التعرف على المؤسسات التي تدعي بأنها كليات وجامعات ولكنها في الحقيقة ليست كذلك كما أنه يساعد مسؤولي الجامعات والحكومات، خاصة الأجانب الذين يجهلون متطلبات التعليم الأمريكي العالي.

لن نلخص الكتاب الخطير هذا في هذه الزاوية لكننا سندرج بعض الأمثلة على شهادات الاحتيال هذه مما وردت في الكتاب فهناك جامعة مثلاً ليس لديها أي متطلبات للقبول ولا حتى شهادة بكالوريوس لطالب الماجستير كل المطلوب هو كتابة موضوع إنشائي عن تجارب الحياة وليس هناك أي مبرر لحضور الحصص فقط عدة مكالمات هاتفية مع المرشد وخمسة أيام «جلسات مكثفة» تعقد في فندق قريب تفي بالمتطلبات للحصول على الشهادة الجامعية المشتهاة.

السعر أيضاً مناسب: ٨٠٠ دولار للبكالوريوس – ١٢٥٠ دولاراً للماجستير «في أي موضوع من ٤٥ تخصصاً» – ٢٣٠٠ دولار للدكتوراه يا بلاش!

هذا السخاء حسب المؤلفين يأتي من جامعة قانونية مئة بالمائة.

ويعطي الكتاب أمثلة عديدة لضحايا هذه المصانع خاصة الوهمية سواء لمواطنين أمريكيين أو مواطنين من العالم الثالث ومنهم طالب عربي حصل على بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة في كاليفورنيا، لكنه أحس بالخداع بعد ذلك حين علم أنه لا يستطيع إكمال الماجستير في أي جامعة أمريكية أخرى.

تبقى معلومتان لعلهما مهمتان لنا، الأولى: إن الغالبية العظمى من المعاهد المشكوك بها في أمريكا تتواجد في كاليفورنيا وإن هناك الآلاف من الأشخاص داخل وخارج الولايات المتحدة يحملون شهادات مزورة من جامعات كاليفورنيا ومعاهدها التي لا يزال عدد كبير منها موجوداً ويعمل.

الثانية: إن مصانع الشهادات الأمريكية عندها سوق واسع بالخارج فطلاب العالم الثالث هم زبائنها الرئيسيون.

وإذا صحت المعلومة الأخيرة هذه فإن علينا نحن الذين لا نحمل ألقاباً علمية، ولا شهادات عليا، ألا نخضع منذ اليوم للتعالي والاستخفاف بنا من قبل الدكاترة العرب وغيرهم خاصة خريجي أمريكا الذين يلوون بوزهم، عند التحدث إلينا ويرطنون وأن نفعل ونقول ما قاله صحافي عربي زميل ذات يوم حين أراد مناقشة أحد الدكاترة حول كتبه التي ملأت المكتبات، فرد عليه الدكتور باستهزاء: «كيف تجرؤ على مناقشتي وأنت لم تضع كتاباً واحداً في حياتك؟» فما كان من الزميل المستفز إلا أن يرد عليه بتواضع: «على أية حال، فأنا لم أضع «بيضة» واحدة في حياتي ولكنني أستطيع أن أقول رأياً في البيض المقلي أحسن من دجاجة!».

وكان أن أفحم الجهبذ ورفع رؤوس الصحافيين أمثالنا.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()