عبد الحميد أحمد

سياحة وساعة سويسرية

أعرف صديقاً تورط هذا الصيف ورطة كبيرة، حين ظن نفسه أشطر من زوجته وأذكى منها، فقد سألها بعد أن أشعلت عليه البيت معارك وخناقات وزعيقاً وشتائم وحولت نهاره ليلاً وليله نهاراً وهي تصر على السفر، أن تختار بين السفر إلى سويسرا وبين شراء ساعة ثمينة لها لكي يشتري صمتها، فاختارت زوجته السفر إلى سويسرا لأن الساعات هناك أجمل وأرخص!

وفي الصيف تنشط السياحة في البلدان الباردة، ويكون زبائنها من المناطق الحارة ومنها بلادنا، لكن مع ذلك، ليس الهدف من السياحة هو الطقس وحده، وإن كان عامل جذب رئيسياً.

السائح يذهب عادة لرؤية ومشاهدة والاستمتاع بما يفتقده في بلاده، فالأوروبي يرحل إلى مجاهيل أفريقيا لرؤية القرود على الطبيعة، وليس في أقفاص حدائق الحيوان، ويجد في ذلك متعة، ويظل محتفظاً بصوره مع غرائب غابات أفريقيا كذكرى تعيش معه، مع أن بلاده لا تنقصها قرود في حدائق الحيوانات.

نقول هذا، لمناسبة ما نسمع أحياناً من أحاديث حول استحالة قيام صناعة سياحية في بلادنا، على تبريرات حرارة الطقس وغلاء الأسعار وغيرها من المبررات العامة التي تشترك معنا فيها دول أخرى، ورغم ذلك فهي متقدمة في السياحة.

فأوروبا مثلاً، طقسها لا يطاق شتاء، وأسعارها لا تقارن من حيث ارتفاعها بأية دولة أخرى، ومع ذلك يفضلها السائح من كل أنحاء العالم على غيرها من البلدان صيفاً، والسبب في ذلك أن أوروبا تعتبر الصناعة السياحية واحدة من اهتماماتها، وتعمل على جذب السياح إليها بمختلف الوسائل، وتوفر من الخدمات والتسهيلات ما يتناسب مع كافة أصناف السياح وفئاتهم وقدراتهم المالية.

فسر نجاح السياحة في بلد عن آخر يكمن حقيقة في هذه التسهيلات والخدمات، وتعرفون مثلاً، أن هناك بلداناً عربية وأجنبية أخرى، تتفوق على أوروبا في جمال الطبيعة وفي رخص أثمانها ومع ذلك ينفر منها السياح لسوء خدماتها ومعاملتها وتخلف وتعقيد إجراءاتها ولافتقادها للأمن، فالسائح عادة يذهب ليرتاح، لا ليتعب ويقضي اجازته في معاملات الحجز والمواصلات والهجرة وغيرها من المرافق، التي كلما تقدمت ووفرت خدماتها بسرعة وسهولة، كلما فضلها الزائر على غيرها.

في الإمارات، نحن نمتلك هذه المقومات، فإجراءاتنا سهلة، وخدمات المواصلات الجوية والبرية وكذلك خدمات الفندقة متوفرة، ومتنوعة تناسب كافة الجيوب، وإذا أضفنا لكل هذا ما نمتلكه من طبيعة نادرة وغير مألوفة بالنسبة لغيرنا، خاصة الأوروبيين كالصحاري والشواطئ والبحر والأسواق المفتوحة المليئة ببضائع الشرق والغرب معاً، فإن السياحة عندنا تصبح أمراً سهلاً، وليست مدعاة للغرابة كما قد يتصورها البعض، ويصبح حتى الطقس الحار عامل جذب لساكني بلاد الثلوج والصقيع.

وأكبر دليل على ما نقول هو الأفواج السياحية التي تزورنا على مدار العام، خاصة في الشتاء حيث طقسنا الدافئ يشكل عامل جذب وكذلك امتلاء الفنادق بالساكنين، سواء كانوا رجال أعمال أو سياحاً.

ونعود لصديقنا الذي تورط في سفرة سويسرا فنقول إننا واثقون بأنه سيستمتع بإجازته، خاصة أن عينيه ستشاهدان بحيرات وجبالاً وخضرة لم يألفها في بلاده، فيما هي عادية بالنسبة لأي سويسري، شريطة ألا تنغص عليه حرمه المصون اجازته بإصرارها على الجمع بين سويسرا والساعة الثمينة، وهو ما سوف يحدث حتماً، أهي الستات كده وإلا بلاش!

 

 

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()