كوليسـترول

كوليسترول

اليوم صباحاً شعر بكسل شديد، وهو في الأيام الأخيرة بعد أن أكمل الستين عاماً، صار يشعر بهذا الكسل والتعب والإرهاق الذي لا يعرف له سبباً، وبعد أن أكمل تجفيف جسمه من حمام الصباح أخذ يغني بصوت مرتفع:

مالي شغل بالسوق .. مريت أشوفك

وصار يردد المقطع نفسه مرات عدة، وفي كل مرة بصوت مرتفع أكثر فأكثر، فجاءته زوجته ناعمة مستطلعة :

  • ما الخبر يا علي ؟ ما هذا الصراخ؟

لم يشعر بأنه ارتكب عملاً يستدعي الاستفسار، ومن ثم الرد عليه، فمضى يغني المقطع نفسه ويضحك،  أما هي فأخذت تبحلق فيه مندهشة، فهذه ليست من عاداته، وهو الرجل الهادئ دوماً والصموت إلى حد ما، ولما لم تجد إجابة، ضربت كفاً بكف وخرجت وهي تقول:

  • لعله خير ، ما دام يغني.

 وخرجت.

بالنسبة له لم يكن يغني، بل شعر فجأة بالرغبة في إعلاء صوته، ولا يعرف تحديداً لم ورد على باله هذا المقطع من الأغنية العراقية الشهيرة، لعله ناسب رغبته في رفع صوته بشيء ما، وقد أحس حين فعل ذلك بشيء من الارتياح وبقليل من النشاط، فهل رفع الصوت أو الصراخ أو النداء أو الغناء بصوت مرتفع يريح البال ويدفع التعب؟!

تذكر بعد أن غادرت  ناعمة جارهم القديم، حين كان شاباً في العشرين، وكان جارهم جمعة بن سالم كبيراً في السن، لعله كان في الستين حينئذٍ أو أكثر أو أقل، يرفع صوته دائماً وهو ينادي أحد أبنائه، أو يغني، أو يصدر أصواتاً أحياناً لا معنى لها، فكان صوته من العلو يصل إلى بيتهم ويتعداه إلى ما رواء بيتهم، وكان جمعه كما يتذكره الآن رجلاً مسناً لكنه نشط دائم الحركة، على عكسه تماماً، هو اليوم وقد دخل الستين معافى، لولا هذا الكسل والتعب والإرهاق الذي صار يشعر به، على الرغم من اعتنائه بصحته ومحاولة ممارسة الرياضة كلما مكنه الوقت من ذلك، وعلى الرغم من حياة الرفاهية التي يحياها، والفيتامينات والمقويات التي يتعاطاها فكانت تمده بالطاقة والحيوية، حتى جاءت الأيام الأخيرة على خلاف ما اعتاد عليه، فصار يغني هذا الصباح أسوة بجمعة كي يسترد شيئاً من نشاطه.

غادر المنزل بعد أن تناول إفطاره الخفيف إلى المقهى حيث يلتقي بأصدقاء قدامى كل يوم، يجالسهم منذ تقاعده عن العمل قبل عشر سنين، حتى الضحى، يتناولون القهوة ويتبادلون النكت والحديث، ثم يمضي إلى أحد المراكز التجارية الكثيرة التي انتشرت مثل الفطر في السنوات الأخيرة، فيجول لساعة أو أكثر، ثم يعود إلى البيت للغداء ومشاهدة التلفزيون إلى حين، ثم يخلد لقيلولة قصيرة، ليعود بعدها إما إلى زيارات قصيرة إلى بيت أولاده لرؤية أحفاده، أو الذهاب مرة أخرى إلى المركز التجاري لتمضية الوقت على مقهى من المقاهي الحديثة، التي قضت على المقاهي التقليدية، بعد أن زاحمتها كما زاحمت المراكز التجارية الأسواق الشعبية وقضت عليها، وما بين هذا وذاك، وهنا وهناك، يعود كل حين إلى هاتفه الجوال، يقرأ ما يتناوله الأصدقاء والآخرون من أحاديث وأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاهدة الصور والفيديوهات التي يجد فيها وسيلة تسلية وفضول لمعرفة ماذا يفعل الناس وماذا يقولون.

لكنه اليوم ظل هاجس التعب والشعور بالإرهاق يلازمه، فلما هجس بذلك لأصدقاء المقهى، ضحكوا وأشاروا له بأن يفعل مثلما فعل صديقهم خلفان، الذي حين أكمل الخمسين عاماً وتقاعد عن العمل مبكراً، طرد زوجته وأولاده، وتزوج من جديد، وها هو اليوم يرتع في أهاب الصحة والنشاط والمزاج الجيد كل يوم، فلم يأبه بهم ولم يأخذهم على محمل الجد، لأنهم جميعاً لم يفعلوا ما فعله خلفان، فهذا استثناء لا يمكن البناء عليه، كما لم يمكنهم أيضاً من اللحاق به.

في الليل وقبل أن يأوي إلى فراشه تذكر جمعة بن سالم، كان قد تزوج مرة أخرى بفتاة هندية وهو في الستين من عمره، وأنجب منها ولداً بعد ولد، وعاش بعد ذلك حتى بلغ الثمانين، وهو يرفل في ثياب الصحة والقوة، غير أن جمعة كما يتذكر لم تنقصه يوماً القوة ولا النشاط، فلم تكن المرأة الجديدة سبباً في نشاطه وقوته، بل لعل احتياجه إلى امرأة جديدة جاء لتفريغ هذا النشاط والحيوية التي كان يتمتع بهما شاباً وشيخاً،  فجمعة بن سالم كان وهو في شيخوخته يتحداهم وهم شباب، في رياضات كثيرة ويتفوق عليهم، فإذا غاصوا في البحر ظل تحت الماء وقتاً أطول منهم، وإذا تقابضوا بالأذرع لوى أذرعهم بسهولة، ومرة تحداهم بالوقوف على رؤوسهم، فهزمهم جميعاً، وكأنه هو الشاب بينهم فيما هم إدركتهم الكهولة المبكرة.

غفا على ذكريات جمعة بن سالم، جارهم القديم، الذي زاره هذا الصباح وهو يستحم فرفع صوته بالغناء كما كان يفعل جمعة بن سالم، ليسترد نشاطه، وحين صحا استمرت صورة الجار القديم في ذهنه، وتذكر ما قالوا عنه عند وفاته من أنهم وجدوه ميتاً في فراشه ذات صباح مفارقاً الحياة ليس فيه ما ينبض سوى عضوه الذكري الذي كان منتصباً، واستمر منتصباً إلى ما قبل غسله والصلاة عليه، فعدوا ذلك دليلاً على حيوية الرجل وتمسكه بالحياة حتى والموت يطوف حواليه ويلفه في صمت، بصعوبة وبعد جهد كبير غادر سريره كسولاً يشعر بانحطاط جسدي شديد، فمشى خطوات في الغرفة، ثم زاد من سرعته وأعاد المشي مرات، لكي ينفض عنه غبار الكسل وآثار الليل، ثم رمى نفسه تحت رشاش الماء وانهاه بماء بارد، ليعيد شيئاً من الانتعاش إلى جسده، ومرة أخرى رفع صوته عالياً بالغناء:

أروح لمين، وأقول لمين، ينصفني منك،

وحمد الله أن زوجته لم تسمعه اليوم.

لم يخرج هذا الصباح إلى المقهى كعادته، بل خرج إلى مركز التسوق يستروح ويجدد طاقته، وهو يفكر فيما آلت إليه أوضاعه الجسدية والعاطفية، فشعر بخيبة آخر العمر، على الرغم مما بذله ويبذله من جهد واهتمام لكي يستمر ذلك الرجل الحيوي، الذي كان فيما مضى وحتى إلى وقت ليس ببعيد، يضاجع زوجته مرة كل يوم، وأحياناً مرتين، وكان شعلة من النشاط والطاقة، حفظت له ولها مودتهما وحبهما، وكان يستمتع بلياليها ونهاراتها على السواء، خاصة أن ناعمة على الرغم من ولادتها المتكررة لم تفقد بعد فتنتها في ناظريه ولا بريق جسدها وتفاصيله التي لا يزال شغوفاً بها وتثيره إيما إثارة، ويستعين في لحظات رغباته بالمقويات المتوفرة وعقاقير الانتصاب الجديدة، فيحمد الله على زمنه الذي علاوة على ما توفر من رفاهية توفرت كذلك من الاختراعات ما ساعدته وغيره على الاستمرار في ممارسة الحب كأي رجل قوي.

كذلك أبعد علي عن تفكيره كل سبب جسدي خارجي عن هذا الشعور بالتعب والإرهاق، خاصة أن فحوصاته الطبية التي لجأ إليها إشارت إلى أن حالته سليمة، فالسكري عنده ضمن المعدل، وكذلك الكوليسترول، حتى هرمون التستوستيرون الذي قرأ عنه على الانترنت أن نقصه يسبب الإرهاق والتعب، وجده عند الفحص في معدله الطبيعي لمن هو في عمره، فمن أين يأتي كل هذا التعب والإنهاك على ما يتوفر له من حياة مادية رغيدة وعناية صحية فائقة، وتغذية سليمة وجيدة.

وقال في نفسه إذا كان جمعة بن سالم في أيامه ليست لديهم سيارات، ولا مكيفات، ولا تغذية جيدة، ولا كهرباء، ولا انترنيت ولا سينما، ولا مياة معدنية نقية معبأة نشربها كل يوم، وكان حصاناً بمعنى الكلمة، حتى وهو على فراش الموت، ولم يهزمه تعب ولا إرهاق، فما بالنا نحن ابتعدنا عما يضرنا من غذاء ويسبب لنا السكري والكوليسترول ومارسنا الرياضة ونتسلى كل يوم بالتلفزيون والمقاهي والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك يرهقني هذا الجسد وينهكني إيما إنهاك!

وعلى ذلك قرر علي أن يتبع ما كان جمعة بن سالم يتبعه، فصار يتناول بيضتين كل صباح، يفقسهما في كأس حليبه، ويشربه طازجاً، وعلى الغداء يتناول سمكاً مشوياً على رز محمول بالدهن الحيواني، يتبعه بتمرات، وفي المساء لا يتناول أي عشاء، بل يكتفي بكوب اللبن، وهكذا تذكر ما كان يتناول جارهم القديم الموصوف بالحيوية والقوة، وبعد شهرين شعر علي فعلاً بقوة أعادت إليه معنوياته، فصار يمارس الجنس كما اعتاد سابقاً، وصار يشعر بطاقة بدنية عالية، ولكن كل هذا إلى حين، إذ سرعان ما تدهورت صحته على أثر شعوره بوخز الإبر في صدره، وفي المستشفى وبعد الفحص تبين ارتفاع الكوليسترول لديه وتعرضه لجلطة قلبية خفيفة مرت على سلام هذه المرة، فمنعه الأطباء تماماً من البيض والحليب والدهن الحيواني، وما إلى ذلك، فعاد إلى سيرته في انتقاء الطعام الصحي وممارسة الرياضة الخفيفة، ومع هذه العودة عاد إليه التعب والإنهاك، فيما ظل جمعة بن سالم حلماً مستحيلاً بالنسبة له.

قرر علي بعد نصيحة من صديق أن يسافر لبضعة أيام، لعله يجدد نشاطه ويعيد ما افتقد من حيوية، وعلى شاطئ في جزيرة يونانية استأجر شاليهاً برفقته زوجته، وفي المساء يجول على المقاهي والمحلات، يشاهد السياح والمارة، غير أنه كل صباح حين يستيقظ يرفع صوته عالياً بالغناء مما يرد على باله، فتنصت له ناعمة غير مستغربة هذه المرة من علو صوته، طالما أنه يجد في ذلك راحة، ولاحظ مع الوقت أنه لم يعد يراقب ما ينشر ويقال على الإنترنت، وانه انقطع فعلياً عن الصحف ومشاهدة التلفزيون، ولاحظت ناعمة أن مزاج زوجها اعتدل كثيراً فصار وهو الصموت عادة، يسرد عليها نكتاً، أو قصصاً مما يتذكره، وكان سابقاً يعاجلها منذ عودته إلى البيت بآخر ما قرأ أو سمع من أخبار أغلبها لا يجلب المسرة، لأنها أخبار عن قلاقل، ومشكلات، ودم، وقتل، وشتائم، وبذاءات لم تعتد عليها، ولا هو يرتاح لها، فيكتفي بسردها دون تعليق منه ولا رأي ، ومع استعادة المزاج كاملاً قضى شهر عسل جديد، ولو أنه لم يتعدَ الأسبوعين، فسألته ناعمة ذات مساء:

  • لماذا لا نقضي بقية حياتنا هنا؟ على هذا الشاطئ؟ في هذه القرية؟ طالما أن صاحبنا عاد إليه النشاط؟

فرد عليها باسماً :

  • ولمَ لا، إذا كان هذا يريحك، وأضاف :

لكني أخشى أن صاحبنا هذا ليس الذي عرفتيه سابقاً؟

فقالت دون تردد :

  • هذا مؤكد، كأنه شفي من الكوليسترول،

فاقتنص منها قبلة، وهو يصرخ فرحاً :  

  • صحيح ما تقولينه، الكوليسترول لم يكن في دمي، بل في عقلي، يذهب معي إلى الفراش كل ليلة، فأستيقظ كئيباً متعباً، وبسببه لا أجد لي مزاج لأي شيء، ولعل هذا ما كان عليه جمعة بن سالم أيضاً.

فقالت متسائلة :

  • من جمعة بن سالم هذا؟

فقال لها وهو يندس تحت الفراش :

  • هذه قصة أخرى، أرويها لك غداً صباحاً.

ثم هدهده النوم على صوت الأمواج التي تخبط الشاطئ برقة على عتبة الشاليه، ورأى قبيل الفجر نفسه ميتاً لكن عضوه الذكري منتصباً كما لم ينتصب من قبل أبداً.

دبي 9/10/2018