عبد الحميد أحمد

زايد الخير

قال زايد:

«لقد مررت على الأرض وهي قاحلة خالية من السكان، وخالية من الخضرة وخالية من الإنتاج وعملنا في هذا المحل مساكن، وفي محل آخر بحاجة إلى تطوير نشرنا الخضرة فيها، وعندما مررت عليه بعد سنتين وجدته مختلفاً بالعمار وبالبشر، وجدت فيه بشراً مرتاحين منعمين ورأيت الأشجار في تلك الأرض القاحلة أشجاراً مثمرة وتعجب الأنظار».

تلخيص شديد ومكثف وبسيط، لرحلة عمر بين سنوات العطش والجفاف والمحل، وبين سنوات الارتواء والخصب والعذوبة وفي التلخيص يكمن الإبداع الذي هو فعل وعمل.

هكذا بدأنا وهكذا صرنا وكان على الدوام الفعل يسبق القول، والعمل يتخطى الزمن والإرادة تتفوق على المستحيل، والسواعد لا تهدأ والعقول لا تستريح فكانت دولة الإمارات التي لا تحتاج منجزاتها إلى كثير كلام عنها فهي خير من كل كلام وأدل من كل شاهد.

وفي الطريق محطات لامعة منها مناسبة اليوم يوم تسلم صاحب السمو رئيس الدولة مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي قبل ٢٥ عاماً ومنها يوم التقت أحلامه بأحلام أخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم فكانت ولادة الاتحاد، أول تجربة وحدوية ناجحة في الوطن العربي.

ومن يرى ليس كمن يسمع، ومن يشاهد ليس كمن يقرأ، وعليه فإن التحول الخلاق الذي حدث على هذه الأرض، في غضون سنوات قياسية، من حياة التخلف والجهل والمرض، إلى حياة التمدن والعلم والعمار، كان ولا يزال مثار دهشة وإعجاب الزائرين، الذين وجدوا فيه معنى البذل والعطاء والعمل.

وطول سنوات مسيرة البناء كانت البلاد ورشة عمل، وهي تسابق الوقت وتختصر الزمن لكي تكون لائقة بالعصر الحديث، وأهلاً للدخول فيه، بإنسانها ومنجزاتها وسمعتها.

وليست الثروة التي منْ الله بها علينا وحدها السبب، إذ «لا فائدة للمال بدون الرجال» فكم هي الدول التي أنعم الله عليها بالثروات بما يزيد ويفوق ما عندنا ورغم ذلك ظلت خطواتها متأرجحة إلى الأمام خطوة وإلى الوراء خطوتين حيث امتحنها الله بقادة يضعون مصالحهم فوق مصالح أوطانهم وشعوبهم.

وفي كلمات زايد هذه نجد تلخيصاً آخر للفارق الذي نشير إليه: «كانت أحلامي كثيرة وكنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث ولكن لم أستطع أن أفعل شيئاً كبيراً ولم يكن بين يدي ما يحقق الأحلام ولكنني كنت واثقاً أن الأحلام سوف تتحقق في أحد الأيام.. لا فائدة للمال إذا لم يسخر لصالح الشعب».

وأكثر المعنى في هذه الكلمات التي تكمل ما سبق: «إن ما حدث معنا لم يحدث من الطبيعة وإنما من الجهد والعزم ولا يمكن أن تنبت الأشجار وأن يعم الاخضرار بدون جهد وعزم».

فالحلم بوابة الحقيقة ووقود العزم والإصرار والعمل والتحدي والأيدي الخضراء هي مناجل العطاء والغرس والبناء.

وذلكم هو سر فرحة الناس بمناسباتنا، وذلكم هو مغزى ورمز مناسباتنا، وفي عيد جلوس زايد يحلو للشفاه أن تتغنى معه وتترنم بالحاضر:

دنيا محلا وطرها

فيها زهت الأنوار

كثر الخير وشجرها

وتوفرت الأثمار

ياها السعد وغمرها

من والي الأقدار

عم البر وبحرها

وفاضت بها الانهار

ولإشراقة اليوم قلب أخضر يرفرف فوق غصون الحياة.

أما الحلم فسيظل وقودنا إلى المستقبل، نحن أبناء هذه الأرض المعطاء، ومن لا يحلم لا يعمل، ومن لا يعمل لا يصل أبداً.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.