عبد الحميد أحمد

لولاهن

شاهدت مؤخراً كاريكاتيراً في إحدى المجلات الأجنبية الساخرة، تمسك فيه شابة سماعة هاتف بيد، وسماعة هاتف آخر باليد الأخرى، وتتحدث في السماعتين في وقت واحد وتقول: طبعاً يا حبيبي، أنت الوحيد في الدنيا الذي أموت فيه حباً وحتى أمس كنت أعتقد أننا الوحيدون من دون خلق الله، من دون شعوب الأرض نمارس هواية المغازلة على التليفونات لساعة وبعض مراهقينا كما تعرفون يدسون التلفون تحت اللحاف ويأخذونه معهم إلى فراشهم ويظلون يتحدثون عبر الأثير حتى يصيح الديك.

لكن الأمريكان طلعوا مثلنا ومحد أحس من حد فهم كذلك يمارسون هذه الهواية ويدمنونها ولا نعرف إن كانوا قد تأثروا بنا مع أن بإمكان شبابهم الالتقاء بمن يحبون من فتيات بلا واسطة وبلا تلفون وبلا سهر وبلا دموع وبلا مغازلات نصفها كذب ونصفها الآخر كذب أيضاً.

آخر استطلاع للرأي شمل ألف طالب أمريكي من طلاب المرحلة الثانوية أوضح أن التلفزيون والموسيقى والتحدث في الهاتف هي الأنشطة الغالبة التي يمارسونها، وتحقق لهم قضاء أوقات سعيدة حسب نتائج الاستطلاع.

وأظهر الاستطلاع أن متوسط الوقت الذي يقضيه الشاب الأمريكي على سماعة الهاتف يصل إلى ساعتين يومياً، بينما تفوقت الفتاة على الشاب حيث تقضي على السماعة ساعتين ونصف الساعة يومياً، وهذا طبيعي ومفهوم على اعتبار أن البنات أطول لساناً وأكثر ثرثرة.

وهذا بالطبع خبر سار لشبابنا من الجنسين من الذين نتهمهم دائماً بقلة الشغل والفراغ وتضييع الوقت على التفاهات أو نتهمهم بقلة الأدب وسوء استخدام الهواتف، وفي الوقت نفسه خبر سار لاتصالات التي تزداد أرباحها عاماً بعد عام، وربما كانت نصف الأرباح التي تجنيها مصدرها من وراء مثل هذه المكالمات الغزلية التي يستمتع بها الشباب ويدفع ثمنها الآباء فواتير غير قابلة للتأخير فاتصالات لا تحب الغشمرة.

أما عن الآباء فحدث ولا حرج فقبل حوالي شهر نشرت نتائج دراسة أظهرت أن غالبية الأمريكيين تقوم على الكذب في علاقاتهم العائلية، وإذا كان الآباء على هذه الحال، فلا لوم على الأبناء إذا تخرجوا مغازلجية وبياعي غرام وحب على الهواتف.

طبعاً نحن لا نعتمد على الدراسات واستطلاعات الرأي في رصد الظواهر الاجتماعية والسلوكية في مجتمعنا ولو حدث مرة أن نظمنا كتلك الاستطلاعات التي تنظم في أمريكا لاكتشفنا أن شبابنا يقضون على الهواتف يومياً معدلات ساعات تتفوق على معدلات نظائرهم الأمريكان، وهذا لا جديد فيه أما عن الآباء عندنا فسنجد العكس تماماً، فالواحد منهم إذا جاء إلى بيته متأخراً ليلاً يجاهر بالحقيقة ويقول لزوجته أين كان وإذا نسي شراء طلباتها فلا يكذب ويقول إنه نسي أو كان مشغولاً وهكذا، هذا إذا صدقتم طبعاً هذا الكلام الذي لا يحدث ولا في المريخ.

يقولون من شابه أباه فما ظلم، لكن لم نعرف بعد كيف مشى الأمريكيون على خطواتنا ومن هو العبقري الذي نقل إليهم جزءاً من عاداتنا الجديدة لكي نقيم له حفل تكريم ونطالبه بتصدير بضائعنا الأخرى إليهم مصدقة ومرفقة بشهادات منشأ.

ومع ذلك فلا مفر من الهوايتين، المغازلة التي تسلي وتقتل وقت الفراغ لدى الشباب وتعلمهم الكذب على أصوله حتى إذا صاروا في أعمار آبائهم وتزوجوا وأنجبوا خلصهم الكذب من القباقيب والطرد من البيوت والعصيان المدني الحريمي وإعلان الأحكام العرفية في البيوت الزوجية.

ولولاهن لما صار الرجال كذابين، عندنا أو في أمريكا لا فرق.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.