عبد الحميد أحمد

النشل السياسي

بنت الجيران تحب ولد الجيران وهذا الكلام كان سارياً أيام زمان عندما كانت البيوت متقاربة والناس تتعارف مع بعضها وفي بعض الدول العربية كمصر وسوريا ولبنان وغيرها، ولأن الناس يسكنون العمارات فيتعارفون، وتتلاقى البلكونات في الهواء عبر الأزقة الضيقة، فإن الغرام يسهل انتشاره من شقة إلى أخرى.

ومن زمان سمعت نكتة عن جارة أحبت ابن الجيران، وكان معروفاً أن أباه لص، فقالت الجارة للابن: في أي سنة أنت؟ فأجابها: في ليسانس لصوص جامعة طره قسم نشل!

والآن ما رأيكم لو صحا الواحد منكم من نومه على طرقات رجال الشرطة على بابه، طالبين منه إثبات هويته وحين يبرز لهم الوثائق يسألونه عن أولاد وزوجة لم يسمع بهم من قبل على أساس أنهم أولاده وزوجته؟

يمكن أن يكون المشهد السابق جزءاً من فيلم سينمائي مثير، لكن ما يوجد في الحياة أحياناً يفوق السينما إثارة وغرابة ولعل في ذلك يكمن سر اهتمام غالبية القراء وشغفهم بأخبار الحوادث والقضايا، المحلية والعربية والعالمية على السواء والتي يكون أبطالها مجرمين عتاة يثير فعلهم الاشمئزاز والسخط أو لصوصاً ظرفاء، تكون أفعالهم محيرة للعقل، وطريفة مسلية، على عكس غيرها من الأخبار خاصة السياسية والاقتصادية التي تثير الملل، رغم ما فيها هي الأخرى من قتل ودم ولصوصية وكذب ومخالفات لا حد لها لقواعد الحياة وأعرافها.

غير أنني ومثل بقية القراء أحب أخبار المجرمين واللصوص، خاصة الظريفة منها وأفضلها على غيرها من أخبار لأنها تكشف لنا حركة الحياة من تحت وعن المجتمع في أعماقه ونفضل من هذه الأخبار ما هو طريف ومسل يساعدنا قليلاً على نسيان همومنا الشخصية والعامة على السواء.

وأمس قرأت عن ياسر محمد محمد من قرية واقد بمصر الذي فوجئ بأن له زوجة وولدين أحدهما محمد الذي قدم أوراقه للالتحاق بالصف الأول الابتدائي والثاني خالد وعمره ثلاث سنوات، فيما الأب لا علم له ولا خبر!

وسر القصة، أن لصاً مجهولاً سرق قبل سبع سنوات بطاقة المواطن المذكور وتزوج بها وأنجب طفلين، وكان يمكن له أن يستمر منتحلاً شخصية غيره، فيتزوج أربعاً لا واحدة، لولا أن كشفته حادثة سرقة أخرى ارتكبها في المصنع الذي يعمل فيه.

ومن النشل البلدي إلى النشل المودرن، قرأت في اليوم نفسه عن طبيب لبناني يمتهن النصب إلى جانب عمله، قام بإغراء سيدة، والغواني يغرهن الثناء كما تعرفون، وتحايل عليها تحت ستار الرغبة في الزواج حتى تمكن من لهف كافة مصوغاتها الذهبية واختفى مثل الشعرة في العجين وبعد عام رأته صدفة العروس المخدوعة في ميدان عام فتمكنت من اقتياده إلى النيابة بمساعدة المارة بعد أن طلبت المساعدة واستغاثت بهم على الطريقة الحريمية إياها فتبين أنه صاحب سوابق في النصب.

وهكذا فإن قصص النشل والاحتيال لا تخلو عادة من طرافة ومن مفارقات تشبه التي في الأفلام.

ومن النشل الجنائي إلى النشل السياسي فإن شامير ومعه عصابات الكيان الذي سرق الأسماء والأرض والمياه والثروات والبشر والآن يحاول سرقة السلام ليس جريئاً بالقدر الكافي مثل ابن الجيران ليعترف لجارته بأنه في دكتوراه لصوص، جامعة الإجرام، قسم الاحتيال الدولي، ذلك لأن السياسيين وحدهم لا يقرون بجرائمهم ويرونها أفعالاً مشروعة ويرونها حقاً، خاصة إذا كان من نوع شامير وشارون وارينز وليفي أحفاد اللصوص والنشالين.

… ومع ذلك تبقى بنت الجيران تموت حباً في ابن الجيران الذي يغمز عبر البلكونة بعينيه ويرسل إشارات وقبلات حب بيديه وتلك الأعظم!

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.