عبد الحميد أحمد

.. يا لطيف

«السجن للرجالة والندب للحريم» كلام قديم كنا نسمعه من زمان أيام أفلام الفتوات والقبضايات، لكن اليوم وبفضل تسارع خطوات مساواة المرأة بالرجل صار «السجن للستات والندب للرجالة».

فالمرأة اليوم تشتغل في كل مجال بل إن هناك أعمالاً أثبتت فيها تفوقاً على الرجال مهما كثرت مخاطرها، ولم يبق عمل لم تخضه المرأة وتتحدى فيه الرجال حتى لو كان تجارة المخدرات وتهريب الحشيش والأفيون والهيروين وكافة صنوف الكيف الأخرى، دون خوف من بوليس أو من رصاص أو حتى من سجن كسجن ليمان طره، وربما تتوفر للمرأة مواهب عدة يفتقدها الرجل للقيام بهذه الأعمال الصعبة فــ «الخشب اللين ما ينكسرش».

وأول أمس ذكرنا سالفة التاجرة التي تروج للتلاميذ حشيشاً من ماركة «رضاك يا رب» لزوم المذاكرة وما كاد يمر يوم حتى قرأنا قصة سقوط جليلة، أكبر تاجرة هيروين في السويس. ولأنها كذلك فإن الإمبراطورة جليلة، وهذا هو لقبها دوخت الشرطة والأمن والمباحث حتى استطاعوا اصطيادها بالجرم المشهود واقتضى الأمر لنجاح مهمة رجال الأمن تجنيد عتاولة الشرطة من رتبة رائد فما فوق حتى رتبة اللواء، حيث أشرف على عمليات ضبطها ثلاثة لواءات ومعهم عقداء ومقدمون ورواد.

وأظن أن بعضكم يقول الآن وهو يقرأ هذا الكلام عن الإمبراطورة: «مش قليلة جليلة» وأنا أزيد عليكم بالقول إنها قبضاي جدع لا يهمها السجن لأنه أصبح كما قلنا للستات بعد أن احتكره الرجال وحدهم في الماضي.

أما الندب والبكاء فصار الآن للرجل وسمعت مؤخراً سالفة رجل من عندنا لم يصمد أمام زوجته الثرثارة وسلاطة لسانها وحين يئس منها وعجز عن كتم أنفاسها لجأ للحكومة فاشتكى عليها عند الشرطة الذين ذهبوا معه إلى البيت فوجدوه مقلوباً عاليه سافله، فقالوا له: الله يكون في عونك.

ونحمد الله أن صاحبنا لم يقرأ قصة زميله المصري الذي عاد إلى البيت ليرتاح فوجد زوجته لا تكف عن الثرثرة والزعيق وحين عجز عن إسكاتها ألقى بها من النافذة فأخرس لسانها إلى الأبد.

والنساء حقيقة بدأن حملة المساواة مع الرجال من المنزل باضطهاد أزواجهن، بعضهن نجح في هذه المهمة وبعضهن أخفق إما لأن الزوج كان أمكر وأخبث فثنى وثلث، أو فر هارباً وخرج ولم يعد أو رمى المرأة في الشارع مطلقة، بالثلاث المكعبة وأخيراً برميهن من النوافذ العالية، أو بتقديم بلاغات ضدهن لدى الشرطة وهؤلاء ينطبق عليهم صدق قولنا إن البكاء للرجال، ثم انتشرت الحملة لاضطهاد الرجال في الشوارع باللباس والمكياج والدلع وبالقيام بكل المهن والحرف الشرعي منها وغير الشرعي حتى لو كان نصيبهن بعد ذلك الإعدام أو السجن وإلا فكيف  تكون المساواة إذن؟

ونحن لا اعتراض لدينا على ما تقوم به النساء في سبيل حريتهن ومساواتهن بالرجال وإلا فمن أين سنأتي بالحكايات الطريفة المسلية التي تبدو لفرط غرابتها وظرافتها كأنها من صنع الخيال بينما هي واقعية من صنع نصفنا الذي نقول عنه عسل من باب المجاملة والأدب فحسب.

ومن يريد، ففي جعبتنا الكثير من هذه الحكايات الحقيقية التي لا يصدقها عقل، ومنها حكاية رجل أعرفه دخل على مدير إحدى الشركات للعمل حارساً بعد أن قرأ إعلاناً بذلك، فقال له المدير: إن الشخص الذي نريده يجب أن يكون قوياً صبوراً صارماً فائق السمع والبصر يتحول إلى عفريت عند أدنى حركة أو صوت مشبوه، فرد عليه الرجال بعد أن خذلته هذه المواصفات التي لا تتوفر فيه: حسناً سأذهب وآتي بزوجتي!

هكذا صارت المرأة اليوم بعد أن نطت فوق الحبال والجبال وتحولت إلى سلفستر ستالون ورامبو ولن يكون بعيداً اليوم الذي سنطلق فيه على الرجال عبارة «الجنس اللطيف».

… يا لطيف!
من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.