عبد الحميد أحمد

ديسترويكا

بلغة أهل العلم والأدب والثقافة، يمكن أن نقول إن الاتحاد السوفييتي سقط من حالق، وحالق هذه تعني العلو والارتفاع، أما بلغة أهل المقاهي والجلسات الشعبية، فإنه يمكن القول إن جورباتشوف حلقوا له «ع الناشف» أي صار على البلاطة، فقد نام وصحا بالنهار ليرى أن البلاد التي كان رئيساً لها غير موجودة، وأن هناك من يقول له إنك يا سيد لست زعيماً على أحد إلا نفسك. ولم يحدث في التاريخ من قبل أن تنتهي دولة مثل ما جرى للاتحاد السوفييتي، فالعادة أن تنتهي دول بالاستيلاء عليها مثلاً، في حالة الحروب والغزو، أو تنتهي بالوحدة والاتحاد، أما أن يأتي من أبناء الدولة نفسها من يعلن إلغاءها ككيان سياسي وجغرافي، مثلما حدث بإعلان رؤساء جمهوريات روسيا الاتحادية وأوكرانيا وروسيا البيضاء مؤخراً، فهذا هو الجديد، الذي ربما كان من ملامح النظام العالمي الذي يصفونه بالجديد، ويبيح فيه حراس هذا النظام والمبشرون له حرية استقلال الشعوب والكيانات الصغيرة، لتحقيق أغراض تخدم مصالحهم حسب رؤيتهم الجديدة للعالم، فيما هم أنفسهم يسيرون عكس هذا الاتجاه، بالتكتل والوحدة وإقامة الكيانات الكبرى، كالوحدة الأوروبية مثلاً.

في حال الاتحاد السوفييتي كانت الاحتمالات مفتوحة ولا تزال على ما هو أسوأ من التغيير، ووصف لها الدواء الذي سماه «البريسترويكا» التي تحولت بقدرة قادر إلى ديسترويكا، فاستعاره منه آخرون، أو سرقوه، بما فيهم الأزواج والزوجات في كل بيت، حيث تنادوا بالصلح والمكاشفة و«الجلاسنوست» العائلية، التي ينتهي فيها التعسف الزوجي والاضطهاد وكتم الأنفاس والحرية.

ومرة ذكرنا، أن السحر انقلب على الساحر، في حال الاتحاد السوفييتي وجورباتشوف، وظهرت بوادر هذا الانقلاب مبكراً في حالة تطرف قومي رغبة في الانفصال والاستقلال والنكوص عن كامل تجربة الستين عاماً الاشتراكية، وبالدعوات الهامسة في البداية بالتحول إلى اقتصاد السوق ودفن تعاليم لينين مع جثمانه إلى الأبد، ثم صارت كل هذه البواكير، نتائج الآن، بدءاً من القبول باستقلال جمهوريات البلطيق الثلاث الصغيرة التي ساندها الغرب ولا يزال، كما شهدنا منذ أيام مروراً بالفرح الغامر بدخول المكدونالد والكريستيان ديور والبيتزا ايتاليانو وغيرهم إلى شوارع موسكو، حتى قال من قال إن المحروم طاح بعصيدة، لكن العصيدة لم تكن للأسف إلا وهماً وجوعاً وشماً حتى في الخبز واللحم وفضائح مدوية لدولة عظمى تبحث على موائد الآخرين عن أي طعام وحلول لمشكلاتها.

لا أحد يعرف الآن ما الذي يفكر فيه جورباتشوف، الذي فتح الباب لمغامرة تاريخية كبرى ظهر جلياً الآن أنها لم تكن محسوبة لديه بالمقدار الذي كان يتوقع، مع أن الأخبار تقول إنه يبحث عن قادة الجيش السوفييتي، ولو صحت هذه الأخبار، فهذا يعني أنه يعض أصابع الندم، وأصابعه، أيضاً التي أحرقتها نار المغامرة فهل يمكن أن يعود الآن إلى ستالين يبحث عنده عن حل وهو أول من تجرأ وأسقط الخوف من شبح هذا الرجل؟

شخصياً، ومع العالم كله، استبعد مثل هذا الأمر غير المقبول الآن في عصر الحريات والديمقراطيات، إضافة إلى أنه لن يعثر على جيش ولا قادة يستعين بهم، وبما أن المسألة كلها غامضة فأرجح أن يفعل ما فعله عدد من المهندسين الزراعيين قبل البريسترويكا حين انكبوا لأيام فوق مجلد ضخم، وبعد أن قلبوا صفحاته وفتشوا سطوره سطراً سطراً فتعبوا وأغلقوا المجلد قال أحدهم: «ما العمل يا رفاق؟ لقد جاء موسم البذار وقد نقبنا كما رأيتم مؤلفات كارل ماركس صفحة صفحة ولم نعثر على أي شيء حول موضوع التراكتورات». وقد يفتش جورباتشوف في كتاب «البريسترويكا» كلمة كلمة ثم يغلقه ويقول: «لم أعثر على أي كلمة حول موضوع يلتسين» فيعرف، ربما لأول مرة، أن التاريخ قد حول البريسترويكا إلى ديسترويكا في غفلة من الزمن… ومنه.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()