عبد الحميد أحمد

بائع فضايح

من عجائب زماننا أن الأسرار المثيرة صارت تباع وتشترى، وكلما كانت مدوية وغامضة كلما كان ثمنها مرتفعاً وبالملايين.

وبعد أن كانت الولايات المتحدة هي بلد المذكرات المثيرة، جاء الآن دور الاتحاد السوفييتي الذي تحول من دولة كبرى إلى فضيحة كبرى، حسب تعبير الكاتب المصري جميل مطر، لينافس الغرب على هذه البضاعة، بعد أن صار عاجزاً عن تصدير أي سلعة أخرى عدا الكلام والخطابة والثرثرة، ومنها سلعة الأسرار.

ويبدو أن القادة السوفييت وجدوا في كتابة المذكرات ونشرها، مادة دسمة للثراء تعوضهم عن سنوات الاشتراكية العجاف، كما وجدوا فيها عملاً وشغلاً بدلاً من البطالة السياسية والاقتصادية التي يعانون منها.

فجورباتشوف أعجبته هذه المهنة، رغم أنه عملياً لم يتقاعد ولم يخرج من الحياة السياسية، ولم تصبح جيوبه خاوية إلى الحد الذي يجعله يسلك هذا الطريق، لكن بما أن الذكريات هي العمل الذي يلجأ إليه الإنسان عندما يضيق بالحاضر، خاصة إذا كان مثل حاضر الاتحاد السوفييتي، فإن الرجل يجد من المبررات الكثير لكي يشتغل بائع مذكرات، وإن كان كتابه الأخير حول الانقلاب الفضيحة قد خذل إحدى الصحف الإنجليزية التي أشترت من الناشر حق نشره في الصحيفة، فإذا بصاحب الكتاب كالزوج آخر من يعلم ولا يضيف جديداً ولا يعلم شيئاً عن الانقلاب ولا معلومات ولا أسرار لديه أكثر مما كان يتلهف لسماعه من الإذاعة البريطانية مما حدا بالصحيفة إلى الامتناع عن نشر المذكرات والاكتفاء بنشر اعتذار صغير للقراء على الصفحة الأولى ورفض دفع حق النشر للناشر.

ولعل جوربي طلع كاتب مذكرات خايب لأنه لا يعرف سر المذكرات الغربية، التي تقوم على مقولة إنه كلما كانت الفضيحة قذرة كلما كانت جيدة ومطلوبة يتخاطفها الناس ولعل في هذا سر نجاح مذكرات الكولونيل أوليفر نورث المسماة «تحت النار» وفشل كتاب جوربي عن الانقلاب. وقبل جوربي أو بعده مارس مهنة بيع المذكرات يلتسين ورايسا وأخيراً دخل على الخط جنرال اسمه شيبارشين عينه الرئيس السوفييتي رئيساً للاستخبارات بعد الانقلاب، لكنه سرعان ما استقال وعكف على كتابة مذكراته التي تنشر حالياً، بعد أن رأى أن دخله من المذكرات سيزيد أضعاف أضعاف عن مجموع رواتب كل العاملين بالاستخبارات على مدى عمر الاتحاد السوفييتي كله.

وبما أن فن بيع الفضائح لم يمر علينا قبل انتقاله السريع من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، فإن الواحد منا لا يأمل مطلقاً أن يظهر علينا زعيم من إياهم ممن هرونا طيلة أعوام وأعوام بالكلام عن النضال والامبريالية والرجعية بمذكراته، ذلك لأن أسرارنا من النوع الذي يختلف عما هو موجود في الغرب ونسميها فضائح بجلاجل تجعل الوجه يذوب ويعرق وينشف حياء، ثم إن الزعماء من هذا النوع خفيفي الظل واليد واللسان، الله يزيد ويبارك ليسوا بحاجة لبيع مذكراتهم التي هي من أسرار الدولة العليا في سبيل شوية قروش ودنانير، لهذا فإننا نكتفي من الفضائح بمذكرات وسير نجوى فؤاد وفيفي عبده واعتماد خورشيد وبحكايات أخرى من نوع حكاية المغنية اللبنانية مادونا وعنها اسألوا إخواننا اللبنانيين، فهذا حدنا غير أنني أعتقد أن النخوة العربية والشهامة قد تأخذ أخو النشامى وكبير المناضلين فيرد على مذكرات غريمه شوارزكوف الذي يقال إنه يكتبها حالياً، بكتاب يسميه «أم المذكرات» أو «عاصفة الذكريات» بحيث لا تكون فيه ولا كذبة واحدة من تلك التي نصدقها بسرعة وكانت سبب خرابنا طيلة نصف قرن.

اللهم نجنا من المذكرات، فما عندنا من تصريحات تملأ الإذاعات تكفي وتزيد لتجعلنا نموت من السكتات والنكبات.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()