عبد الحميد أحمد

حصان شامير

بصراحة والصراحة راحة أن كافة الأخبار التي ترد على الوكالات وكافة المانشيتات في الصحف والمتعلقة بالسلام تكون بلا لون ولا طعم ولا نكهة عندما تخلو من تصريح أو تلميح أو إشارة، أو أي كلام من اسحاق شامير.

وأعرف أن كثيرين لن يعجبهم هذا الكلام الذي ربما يجدون فيه مدحاً لشامير لكن تصوروا أن عملية السلام كما رسمتها الولايات المتحدة وكما سعت إلى إخراجها وتنفيذها سارت على خير ما يرام وبسلاسة وانزلاق لا صوت له بفعل زيوت التشحيم الأمريكية الفعّالة، فأي إثارة وأي أخبار سنجدها تستحق القراءة والمتابعة؟

ولولا شامير لانتهت العملية كلها في يوم أو يومين وتعرفون أن العمليات من هذا النوع أي التي تسير دون مشكلات ولا عراقيل تكون عمليات باهتة وبما أن السلام قضية كبرى فإن شامير لا يرضى أن تكون هذه العملية باهتة.

ويمكن تشبيه شامير لمن يريد بملح المائدة الذي لا نستغني عنه عند تناولنا الطعام فهو ملح مائدة السلام وإن كان أحياناً بل دائماً «يمصخ» الطعام بزيادة كميات تصريحاته واقتراحاته وتعديلاته وطلباته.

وزمان كنا نحن نقوم بهذا الدور، لكن الآن سلمناه لشامير بعد انقلاب المعادلات والتوازنات والمفاهيم ولما كنا لا نرضى به كان يصرخ ويولول ويشتكي علينا عند الأمم المتحدة أن العرب لا يريدون السلام ويستعدون للحرب والآن حينما رضينا به عاد يولول بأن السلام سيخرب بيت إسرائيل وسيؤدي إلى الحرب وصدق من قال رضينا بالهم والهم ما رضي بنا!

وسيمضي شامير في كل مرة وفي كل مرحلة في طلباته التي نسميها عراقيل ويسميها هو ضمانات ونسميها شكليات ويسميها هو ضروريات سواء فيما يتعلق بأماكن ومواعيد المحادثات أو ما يتعلق بالقضايا محل البحث والتفاوض، ولا يزال في جيبه الكثير من الألعاب ليخرجها بين حين وآخر وإن كانت لعبة الحصان الذي ابتلعه شامير هي قضيتنا ومربط فرسنا في كل هذا المعمعان.

ولعبة الحصان نرويها في حكاية رجل ذهب إلى طبيب نفساني وهو يصر على أنه ابتلع حصاناً، وحين عجز الطبيب بكل الوسائل عن اقناع الرجل بخطأ اعتقاده لجأ إلى الحيلة، بأن وافق الرجل على توهمه، وجعل يحضر لإجراء عملية جراحية لاستخراج الحصان من بطنه وبعد أن أعطى الرجل المخدر وذهب في غيبوبة، جلب الطبيب إلى العيادة حصاناً، بحيث إن المريض لما أفاق، قال له الدكتور: هذا هو الحصان ولن يزعجك بعد الآن فما كان من الرجل إلا أن هز رأسه وقال غاضباً: كلا ليس هذا هو الحصان وإنما الذي ابتلعته أبيض اللون.

غير أن شامير ابتلع بفارق عن الرجل أراضي بكاملها وليس حصاناً ولا نعرف بعد كيف يمكن للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بصفتهما راعيين للمؤتمر أن يستخرجا أراضينا من جمجمة شامير الكبيرة، التي تعتقد أن هذه الأراضي ملك لأسلاف أسلافه، وأن العرب هم الذين احتلوها واستعمروها وطردوا اليهود منها وإن كان المعتقد أن أفضل عملية هي كسر هذه الجمجمة واستبدال دماغها بدماغ آخر نموذجي منفتح من مواصفات أدمغتنا الاستراتيجية الهجومية بعيدة المدى.

ولحين نصل في عملية السلام إلى مرحلة الجد، وهي مرحلة الحصان كما رأيتم، تلاحظون كما بدأنا الكلام أن شامير هو ملح المائدة ولولاه، لما وجدنا شيئاً نكتب عنه أو فيه أو أحداً ننتقده فكل شيء سيكون تمام التمام وعال العال، والنقد ممنوع والعتب مرفوع ومن عنده كلام يتكلم على الباذنجان والفسيخ والشربات والذي منه.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()