عبد الحميد أحمد

فنجان العالم العربي (١)

لم يتبق من عامنا الحالي سوى اليوم وغد، ولحد الآن لم نقرأ ولم نطالع، كعادتنا كل عام أي تنبؤات أو توقعات للعام الجديد وأتصور أن كبار المنجمين والعرافين والذين يضربون الودع والرمل ويقرأون الفناجين من العالميين أو العرب على السواء أصابتهم أحداث العام وتقلباته السريعة والمفاجئة بالخرس والحيرة، ففضلوا السكوت هذه المرة.

لهذا فإنني سأشتغل اليوم في هذه الزاوية بصارة براجة وبما أن شؤون العالم وشجونه فوق طاقتي، خاصة أن فيه جديداً غير متوقع كل دقيقة وكل ساعة، فإنني سأقرأ فنجان عالمنا العربي، لأنه أسهل وأخف فلا جديد فيه ولا أشياء خارج التوقعات عبر السنوات والحقب إلا فيما ندر والنادر هذا يحصل بفعل لوثة جنون لا بفعل تطور طبيعي وعقلاني مثلما حدث حين غزا المهيب الرهيب الصنديد العجيب الكويت الحبيب ليحرر الوطن السليب العام قبل الماضي.

ونبدأ بالعراق الذي يقول فنجانه أمامي إن مهيبه ركن الأركان سينقلب على نفسه فبعد أن دخل التاريخ كأكبر مناضل وطنجي وقومنجي وإسلامنجي، قارع الامبريالية والصهيونية وأرداهما مضرجين بدمائهما وبقي حاكماً ليس في بلاده طفل ولا امرأة ولا شيخ ولا صبية إلا ويموتون فيه حباً ويتمسكون بدباديبه لكي لا يرحل فإنه سيحول العام المقبل إلى عام نضال ديمقراطي لكي يواكب التغييرات العالمية العاصفة، ويدخل التاريخ مع بقية الديمقراطيين من وزن جورباتشوف وجورج بوش ومارجريت تاتشر وفرنسوا ميتران وسيطلق على نفسه مهيب الحرية وخادم الديمقراطية وستشهد بلاده انتخابات حرة تعددية لم يحدث لها مثيل وسيكون المرشحون الوحيدون فيها هو وأفراد أسرته فيفوز عليهم جميعاً بنسبة أصوات ١٠٠٪.

أما إخواننا الفلسطينيون، فإن فنجانهم حلو ونزف لهم البشرى فهم يحصلون ولأول مرة على الاعتراف بحقهم الوطني وستكون لهم دولة مستقلة أما أين؟ فإن الفنجان فيه غموض لكن خطا فيه يشير إلى أن دولتهم ستكون في كازاخستان ذلك لأن حاخاماً من روسيا سيرفع إلى الأمم المتحدة مخطوطات عتيقة، تثبت أن أصل الفلسطينيين من هناك، وعند التصويت فإن مشروع الحاخام سيفوز بالأغلبية المطلقة بما في ذلك أصوات بعض الدول العربية والإسلامية التي ستكون أول من يعترف بالدولة الفلسطينية الكازاخستانية.

فنجان السودان يضحك مبتسماً للعام الجديد وأرى فيه عمامة بيضاء ضخمة وتفسير ذلك أن كل سوداني سيحصل العام المقبل تعبيراً عن الانتصار الساحق الماحق على الجوع على عمامة مجانية هدية من جبهة الإنقاذ التي سيحكم رئيسها الترابجي السودان مباشرة وعلانية بعد فترة الحكم من تحت لتحت وسيكون من إنجازات هذا الحكم أن تنتشر الفراخ والدجاج في الشوارع بالمئات والآلاف تتفسح مع الناس وتقول: يا مين يأكلني وطبعاً لن تجد أحداً، لأن الناس ستكون ملت أكل الفراخ وزفره.

أما أبرز ما ستشهد مصر فهو حل عقدة البني آدمين الغلابة الذين وضعوا تحويشة العمر في أيدي الريان والسعد والشريف وسينال كل منهم فلوسه بالتمام والكمال وعلى داير مليم زائد الأرباح كاملة غير منقوصة وسوف يحدث رواج اقتصادي لا مثيل له بفضل هؤلاء الذين سيرفعون أسعار الشقق والعقارات المولعة بالفعل بالتدافع على شرائها لكن الفنجان يحذرهم من شوية نصابين وحرامية يبيعونهم شقق ديلوكس مستوردة من بره ولو حدث هذا فإن نتيجته حسب الفنجان غلاء أسعار الحشيشة والأفيون لزيادة الطلب.

… غداً نقرأ فناجين أخرى.
من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()