عبد الحميد أحمد

«البيزنس» طالب

إذا كان الأطفال، حسب القول الساخر، يشربون الحليب لكي يكبروا، فيصبح بمقدورهم رفض أوامر الأم بشرب الحليب، فإن التلاميذ يدخلون المدارس ليتعلموا ويفتحوا أذهانهم لكي يصير بإمكانهم رفض أوامر آبائهم والمعلمين، بل وضربهم أيضاً.

وقد عشنا رجباً ورأينا وسمعنا عجباً عن تلاميذ يتفننون في كل ما لا يخطر بالبال في مدارسهم، مع زملائهم ومدرسيهم على السواء، حين يرتكبون حماقات وتصرفات، لو نذكرها الآن، لن تكون إلا تحصيل حاصل وتكراراً مملاً، فما تعرفونه لا يحتاج لتذكير.

آخر العجائب، أو أعجوبة العجائب، التي من الممكن ضمها إلى عجائب الدنيا السبع، فتصير ثمان، أو من الممكن إلحاقها بكتاب جينس للأرقام القياسية لتكون هديتنا إلى العام الجديد، هي التلميذ التاجر، أو «البيزنس ستيودنت» صاحب الرخص والأعمال التجارية.

فقد قرأت أمس في جريدتنا هذه تحقيقاً عن بطاقة السلوك التربوي، ومر التحقيق على كل ما نعرف من سلوكيات منحرفة أبطالها وصناديدها تلاميذنا شطار الإعدادية والثانوية، من تسلل وهروب، إلى تدخين السجائر وشتم المدرسين، إلى صيحة البليب وموضة التلميذ التكنولوجي، حتى استوقفني نموذج الطالب رجل الأعمال.

وتسأل الزميلة صاحبة التحقيق تلميذاً، في الثاني الثانوي عن سبب غيابه، وعن سبب غضبه من المدرسين وطلبه لنقله إلى مدرسة أخرى فيجيبها: «الغياب بسبب مشاغلي، فأنا لدي رخص تجارية وأعمال تجارية، فور انتهاء الدوام المدرسي أذهب إلى المكتب لمباشرة أعمالي ولا أهتم بالدراسة كثيراً لأن كل ما يهمني هو الحصول على شهادة لأنها مطلوبة عند التقدم لأي عمل».

ومن يقرأ هذا الكلام، يحسب لدقيقة أن ثمة خطأ ما في الموضوع، خطأ مطبعي ربما، أو خطأ وقعت فيه المحررة، أو سوء فهم، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فيتبادر إلى الذهن فوراً أن البيه التلميذ لابد أنه يأتي إلى المدرسة في سيارة طولها طول وعرضها عرض، وتتوقف به عند البوابة، فيفتح له سائقها الباب، ليترجل سعادته منها وفي يديه مسبحة عقيق أو فيروز يلفها على أصابعه وهو في طريقه إلى طابور الصباح ملقياً السلام على حضرة الناظر وجموع المدرسين.

ثم إن هذا البيزنس ستيودنت الصغير، لابد أنه يأمر وينهي بعد الظهر في مكتبه الخاص، فيرتعد موظفوه وعماله خوفاً على أرزاقهم، فكيف تريدونه يا جماعة، من آباء وتربويين وإعلاميين، أن يتلقى الأوامر من مدرس في الصباح؟

أرجو حقيقة أن يكون ثمة خطأ في الموضوع وإلا فإننا نطالب غرفة التجارة والصناعة أن تقيم تمثالاً لتكريم أصغر أعضائها، وأن توفر له على حسابها مدرسة خاصة بمعلمين خصوصيين، لإبعاد عضوها الفلتة هذا عن جو المدارس الحكومية، قبل أن تفسد أخلاقه ويتعلم من زملائه التدخين وشم الغراء وكل الإبداعات الأخرى، فيتخرج تاجراً شمام غراء وسماسيم، فيكون إهانة وسبة لتجارنا وسمعة بلدنا التجارية، أو لكي لا ينقل هو عدواه إلى زملائه التلاميذ، فيصبحون مثله تجاراً ورجال أعمال، يأتون إلى المدارس في الصباح بشنط سمسونايت وبالانيس وبدفاتر الشيكات، لكي يديروا أعمالهم وتجارتهم من الفصول الدراسية، وفي الحالتين، فالأمر أسوأ من الآخر.

وكان بودنا أن نقول كان الله في عون وزارة التربية، ونترك كل الأخطاء في المجتمع على عاتقها، لولا أننا نعرف أن الوزارة من بعد عون الله بحاجة إلى عوننا كآباء ومسؤولين وأولياء أمور ومواطنين، فمستقبل التلاميذ أمانة في أعناقنا جميعاً، لكننا تخلينا عنها، وتركناها للتربية، لتكون هي وحدها حمالة الأسية.

وما زلت أتمنى أن يكون هناك خطأ في الموضوع.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()