عبد الحميد أحمد

ضمور في السمع و … اللسان

أتصور أن آذان غالبية المسؤولين عندنا وبالذات مسؤولو الدوائر والوزارات الخدمية، قد ضمرت وانسدت مثل مواسير الصرف القديمة بسبب قلة الاستعمال.

فالناس لا تتوقف عن الشكاوى، ولكل همه وبلواه ومشكلته التي يراها أهم من قضية الشرق الأوسط ومن قرار مجلس الأمن ضد ليبيا، وهؤلاء الناس شجعان ويستحقون الاحترام، لأنهم بصراحة يتحدثون عن همومهم للصحف وللإذاعات، وفي المجالس، لكن المشكلة الكأداء (واسمحوا لي باستخدام هذه الكلمة المشكلة) أن المسؤولين لا يسمعون، وإذا سمعوا فذلك من باب المجاملة ورفع العتب، أما التحرك باتجاه حل مشكلات الناس وإن كانت صغيرة وتافهة فليس وارداً.

أصوات المشتكين تلعلع كل يوم في الإذاعات، وصفحات القراء تعج بها، وكل لقاء يجمع اثنين من المواطنين تتداعى فيه أحاديث المشكلات، لكن مشكلة المشكلات، أن غالبية هؤلاء أوصلوا ما يعانون منه إلى المعنيين، مباشرة أو غير مباشرة، ثم لا يحصدون غير هشيم الوعود، ولم نسمع بعد عن مسؤول صغير أو كبير في أي جهة قد تدخل في أي مشكلة مهما كانت بسيطة، من نوع نقص أكياس الزبالة التي تزود بها البلديات البيوت أو سوء توزيعها، ولو حدث ذلك لضربنا لهذا السؤال ألفي سلام ولأرسلنا له مليون قبلة.

وأعجبني أمس في صفحة «مساحة للرأي» بجريدتنا زاوية «أصوات بعيدة» التي قام فيها المحرر بإجراء اتصالات عشوائية مع مواطنين ومواطنات في مناطق نائية، لكي يتعرف وبالصدفة، على المشكلة التي تهم المتحدث على الطرف الآخر من الهاتف، فكانت حصيلة المشكلات جيدة، بعضها مشكلات كبيرة كنقص المدارس والمستشفيات والطرق المعبدة وانقطاع الكهرباء، وبعضها صغيرة كانتشار الحصى بين البيوت وعدم وجود ساحة يلعب فيها الأطفال كرة القدم، ويجمع كل الذين جرت الأحاديث معهم، من شواب وعجائز وشباب وغيرهم، على أنهم كلموا المعنيين أكثر من مرة، ولكن لا حياة لمن تنادي.

وأعجبني أيضاً خبراً قرأته منذ فترة قصيرة يقول: إن مجلس بلدية الشارقة سيجتمع للنظر في الشكاوى الواردة إليه من المواطنين، وهذه بادرة طيبة يمكن أن تتحول إلى تقليد حسن ودائم وفي أكثر من مكان، حين تجتمع لجنة ما للنظر في شكاوى وهموم خلق الله الذين صار الواحد منهم مهيأ للغناء والطرب ومنافسة عبدالله رويشد وطلال مداح وماجدة الرومي نظراً لأن صوته قد انصقل وانشحذ من كثرة الكلام وترديده وإعادته.

ولو أن كل جهة خدمية سعت إلى التعرف على مشكلات الناس على الطبيعة من ناحية، وفتحت أبوابها عن طريق صناديق أو لجان تتلقى الشكاوى من ناحية أخرى، وبدأت في النظر إليها وحل ما يمكن حله منها، لقلت نسبة الشكاوى، ولرضي الناس بأي حلول لمشكلاتهم، سواء كانت وقتية أم سريعة وعاجلة، أم حتى بالحلول المؤجلة، من نوع الوعود الجميلة، لكن غير المستحيلة، بحيث يمكن للناس أن يخرموا آذانهم بانتظار الحلق والكواشي مثلما يقول المثل المصري.

لكن هذا يستدعي أولاً من المسؤولين من مدراء وغيرهم تشغيل حاسة السمع التي وهبهم إياها الله، والتي عطلوها من قلة الاستخدام وعدمه، ثم إننا لا نريد فعلاً أن يأتي اليوم الذي نختفي فيه وتندثر صوانات آذان هؤلاء، فكيف بالله عليكم سيكون منظر الواحد منهم بلا أذنين؟

وبما أننا نحن الصحافيين ننفخ في قربة مخرومة ولا نتعب من النفخ، فهذه شغلتنا التي نأخذ عليها رواتبنا، فإن كلامنا هذا، مثل كلامنا السابق كله، ومثل شكاوى الناس كلهم، لن يجد آذاناً صاغية، وإذا صادف ووجد، فإن رد الفعل عليه من المسؤول لن يزيد على كلمتين: صحافي ما عنده سالفة، ولمثل هذا نقول: إذا كان عندك سالفة فاسمعنا إياها، وكلنا آذان مثل الأواكس مترقبة وجاهزة لالتقاط أي همسة، وطبعاً لن نسمع شيئاً لأن رأس الحكمة عند هؤلاء المسؤولين تقول: لسانك حصانك، حتى صرنا نخشى من انقراض ألسنتهم أيضاً لقلة الاستعمال!

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()